ثمانية عشر عاما من المفاوضات تقابلها ثمانية عشر عاما من المقاومة، والسؤال يطرح نفسه في كل مرة، وعند كل مفصل أو محطة أو مفترق مصيري للقضية الفلسطينية والمنطقة، ماذا حققت المفاوضات، وماذا حققت المقاومة طوال هذه الحقبة ؟؟!!.
اذا ما نظرنا نظرة موضوعية من غير تشفٍ لمسار التسوية من جهة وخيار المقاومة من جهة أخرى طوال المرحلة الماضية، وقاربنا الوقائع والحقائق بدقة لا متناهية، ولو من باب موازين الربح والخسارة، التي هي من أبسط البديهيات القريبة لمنطق الأمور، لوجدنا فورا وبنظرة أولية بما لا يقبل الشك أن الكفة الراجحة في التفاوض كانت ولا تزال دائما لصالح الكيان الصهيوني المعتدي، الذي يفاوض من منطلق قوة ويقف غير آبه لا بقرارات ولا بمجتمعات دولية، مستندا في ذلك الى وقوف العالم الغربي بأكمله من خلفه، داعما ومؤيدا لممارساته العدوانية، حتى وصل به الأمر الى الحصول عبر مسار التسوية على الكثير من الأهداف التي لم يستطع هذا الكيان تحقيقها عبر حروبه التاريخية مجتمعة، خصوصا وان هذا المسار قدم اليه على "طبق من فضة" العديد من الجوانب التي لم يك يحلم بها ومنها على سبيل المثال لا الحصر:
- الاعتراف بشرعية الكيان من قبل البعض ما سمح له بالسعي لتثبيت مداميك وأسس هذا الكيان في فلسطين المحتلة.
- توسيع حركة الاستيطان واستقدام المستوطنين اليهود من الخارج والاعتداء على المقدسات في اطار مساعيه الدائمة لتهويدها.
- تحقيق استقرار نسبي من خلال محاولة محاصرة الانتفاضات الشعبية التي يمكن ان تنشأ بوجهه وحركات المقاومة بالتزامات خيار التسوية.
- الخروج من حالة العزلة، وتعزيز حركة التطبيع مع العالم العربي بكافة جوانبها واغراق الأسواق العربية بالسلع الاسرائيلية مستفيدا من حالة اتساع رقعة التطبيع.
- شق الصف العربي عموما والفلسطيني خصوصا بين مؤيد لخيار التسوية ومؤيد لخيار المقاومة.
وهنا يطرح التساؤل ماذا حقق الجانب الفلسطيني وهو صاحب الحق بأرض فلسطين من خيار التسوية مقابل ذلك كله؟!، ماذا حصّل سوى اعتراف مجاني بكيان العدو وتنازل تدريجي عن أرض فلسطين، وتصفية قضية اللاجئين وحق العودة، ومماطلة وتسويف دائم وبلا طائل؟!.
كلنا يذكر كيف أن طاولة التفاوض انتقلت من كل عواصم العالم من مدريد الى أوسلو وأنابوليس وواشنطن وباريس وغيرها، لكنها عادت اليوم بعد 18 عاما الى نقطة الصفر، وبظروف أسوأ بكثير من كل جولات التفاوض التي جرت خلال الحقبة الماضية.
فقد عاد الجانب الفلسطيني الى الجلوس على الطاولة و"المسدس في رأسه" وذلك تحت وطأة التهديد الأميركي بالغاء المساعدات حينا، والتراجع عن الاعتراف به شريكا في عملية التسوية حينا آخر، أو عبر السير بمشروع تسوية طويل الأمد يحتاج تنفيذه الى عشر سنوات على الأقل، وهنا ولو سلمنا جدلا أن هنالك امكانية لتحقيق تسوية، فمن سيضمن مراحل التنفيذ، أهي سلطة أوباما الراحلة ولو بعد حين، أو حكومة نتانياهو اليمينية المتطرفة، والتي يحتمل أن تأتي سلطة اخرى بعدها وتتنصل من كل التزامات سابقتها كما حصل عقب اغتيال رئيس الوزراء الصهيوني رابين.
واذا ما سلمنا جدلا بأن الجولة الحالية للمفاوضات ستخوض غمار ما يسمى بترتيبات الحل النهائي، فهنا السؤال يطرح نفسه هل حكومة التعنت والتصلف برئاسة نتانياهو، ستتنازل عن القدس وتمنحها للفلسطينيين، ثم هل يعقل أن توافق هذه الحكومة على اعادة اللاجئين الفلسطيين الى ديارهم؟؟.
بالطبع يصعب ايجاد نقاط تلاق أو تقاطع بين الجانبين الاسرائيلي والفلسطيني في هذه المفاوضات، وهو ما يحكم عليها مسبقا بالفشل، الا اذا كان المقصود منها تنازل الجانب الفلسطيني عن كل شيء عن الارض والقدس واللاجئين، وهنا يطرح السؤال أي دولة تلك التي سيحققها الفلسطنيون حينها، حينما ستكون بمثابة جزيرة أمنية منزوعة السلاح تحقق أمن الاحتلال، لا سلطة لها فيها ولا سيادة لها لا على أرضها أو حدودها ولا على أجوائها أو مياهها.
أما خيار المقاومة فحدث ولا حرج، عمّا أحدثه صمود الشعبين الفلسطيني واللبناني من انتصارات زعزعت وخلخلت هذا الكيان وهجّرت مستوطنيه، وأحدثت تحريرا لأرض جنوب لبنان عام 2000 وتحريرا لغزة عام 2004، فضلا عمّا تلا ذلك من صد للعدوان الصهيوني على لبنان عام 2006 وعلى غزة عام 2008، وما سبقه من انتفاضة فلسطينية وما رافقه من تحرير مئات الأسرى اللبنانيين والفلسطينيين والعرب في سجون الاحتلال.
وبين هذا وذاك تحدث مسؤولو الفصائل الفلسطينية المقاومة لموقع "المنار" الالكتروني حول اصرار البعض على انتهاج مسار التسوية العقيم، في ظل خيار المقاومة السليم.
وفي هذا السياق، وصف المسؤول الاعلامي في الجبهة الشعبية القيادة العامة أنور رجا المفاوضات المباشرة بين السلطة الفلسطينية والكيان الصهيوني بأنها الأخطر، مشيرا الى أنه سينتج عنها اعتراف بهذا الكيان كوطن قومي نهائي لليهود، وهو ما طالب به نتانياهو كشرط أساسي لتوقيع أي اتفاق تسوية مع ما يعنيه ذلك من تثبيت دولة الاحتلال الصهيوني على أرض فلسطين وارساء معالم كيان فلسطيني هلامي يكون بمثابة أداة "لحدية" بيد العدو الاسرائيلي.
وأوضح رجا أن هذه المفاوضات سوف ينتج عنها ترتيبات نهائية، مذكرا بأن الرئيس الراحل ياسر عرفات قتل لأنه رفض أن يسير بمثل هذه الترتيبات، ومشيرا الى أنه هناك من يغامر ويتجاوز الخطوط الحمراء من أولئك الذين أتوا في الأساس على نقيض مرحلة ياسر عرفات وجاؤوا الى السلطة من أجل اتمام ما توقف عنده الأخير، وذلك من خلال القفز فوق مسألة حق العودة وتصفية قضية اللاجئين، والفقز عن موضوع القدس ووضعها على مشرحة التقسيم والتسويات، اضافة الى شطب حق اللاجئين من فلسطيني 48 والتخلي عنهم ووضعهم على كف عفريت "الترانسفير".
من جهة اخرى، أكد رجا أن سادة اللعبة الكبار اختاروا مسألة توقيت اتهام حزب الله بقضية اغتيال الحريري في هذه الآونة، لافتا الى أنهم لا يريدون أن تكون هناك جهة ممانعة في وقت يعملون فيه تحت جنح الظلام لانجاز ترتيبات أمنية للساحة الفلسطينية، ولذلك وحتى تسير المفاوضات فهم يعملون على اضعاف حلف المقاومة، ويأتون الى مكمن القوة مستخدمين الفتنة المذهبية عبر توجيه اتهام اسرائيلي باطل لحزب الله باغتيال الحريري، وفي هذا غاية واضحة تستهدف كل المقاومة سواء في لبنان أو فلسطين أو غيرها كما تستهدف ببعدها الاقليمي سوريا وكذلك الامر ايران.
وأوضح رجا أن هذا الاتهام لحزب الله كان مقدرا له أن يبدأ عمليا منذ اغتيال الرئيس الحريري لكنهم قاموا بتأجيله آملين أنه بتوجيه الاتهام الى سوريا يمكن اضعاف المقاومة، التي كانت دائما مرشحة للاتهام باعتبار انها النقيض لحالة الاستسلام.
ولفت رجا الى أنه اذا نجحت عملية التسوية فان ذلك سيشكل ضربة قاسية للقضية الفلسطينية، مجددا ثقته بأنها لن تنجح بالوصول الى نتائج " لأننا نملك مشروع مقاومة يدعمه الشعب الفلسطيني بأكمله، فليس هناك انقسام في الشارع الفلسطيني تجاه تحرير فلسطين، فضلا عن ان هذه القضية مدعومة من أشراف الأمة العربية وجمهورها ومن العمق الاسلامي في طهران الذي يقف متحديا ويقول ان اسرائيل ستزول من الوجود هذا الى جانب المقاومة في لبنان بما تشكل سندا متكاملا".
وأضاف رجا قائلا: "نحن أمام مرحلة خطيرة تتطلب يقظة عالية واتخاذ تدابير احتياطية كوننا نتهيأ للدخول الى مرحلة الاشتباك الميداني لاحقا، علما أن الاشتباك السياسي والاعلامي قائم وهو على أشده في هذ الآونة، لكننا سنضطر الى خوض معارك عسكرية قاسية مع العدو والأدوات العميلة التي تطل برأسها بين حين وآخر ولو أننا كنا نتمنى لو أن هؤلاء يتعظون ويصلون الى قناعة بأنهم يدمرون أنفسهم قبل كل شيء عدا عن الأثر الجانبي الذي سينسحب على المصلحة العامة بمقدار ما نحاول تجنّب هذا الشأن".
واذ خلص رجا الى القول ان هؤلاء يقامرون بمصلحة البلد، سأل اذا وقعت الواقعة التي يحفرون من أجلها ماذا سيتبقى لهم ليحكموه؟، مضيفا انهم يعملون على طريقة نيرون الذي حرق روما ليستمتع بالعزف على قيثاره، محذرا من محاولات جارية لتهميش المقاومة وجرها الى مربعات هؤلاء من أجل وضع سلاحها في خانة الدفاع عن النفس هنا وهناك، وموضحا أنه علينا دائما أن نكون جاهزين لمواجهة هذا النهج بحالة يقظة مستمرة وأن لا نهادن هذا التيار وأن نعمل على كشفهم وأن نسمي الأشياء بأسمائها، وبذلك ندافع عن حقنا بالمقاومة وننتصر لأنفسنا، موضحا ان جمهور المقاومة ينتصر لنفسه حين لا يقف مجاملا بالقضايا الكبرى.
وختم رجا بالتأكيد اننا نشهد الآن بهذه المرحلة نهايات المواجهة بيننا وبين المشروع الاميركي ونخوض المعركة الفاصلة والحاسمة، لذا فهم مربكون ومحرجون وسيلجأون الى الطلقة الأخيرة والى كل ما يملكون من أوراق قذرة لاضعاف المقاومة.
واذ استغرب رجا كيف أن البعض يصرّ على تكرار تجربة ما جرى تجربته خلال أكثر من 18 عاما في مسار التسوية، أشار الى أن كل الوقائع والمؤشرات تؤكد أن هذه الفئة من السياسيين تسير ضمن نهج ومشروع مرتبطة به عضويا وفكريا وسياسيا، فهم يجلبون جلبا الى طاولة المفاوضات ساعة يشاء نتانياهو وغيره وساعة تشاء الادارة الاميركية، لافتا الى أن هذا الارتباط يشير الى طبيعة الانتماء والهوية العائدة لأولئك كونهم يمارسون دورا وظيفيا، وهم ما كانوا ليستمروا فيه لولا قوة الدفع المستندة الى اللهاث خلف السياسة الأميركية للحفاظ على مواقعهم من خلال تحقيق مصالح ورؤى آنية ضيقة لا تأخذ طبيعة الصراع ومقدرات الأمة بعين الاعتبار وتقوم بتغييب حق الأمة الذي هو حق الأجيال وحق جمعي لأجيال قادمة بأكملها.
بدوره، اعتبر القيادي في حركة "حماس" اسماعيل رضوان أن هرولة المطبّعين والمتسابقين مع الاحتلال على مسار المفاوضات الاجرامي الخياني يدلل أن هؤلاء ارتبطت مصالحهم بوجود الاحتلال لذا فهم يقدمون هذه الهدية المجانية للكيان الصهيوني وفي نفس السياق يحاربون فكر المقاومة وأدواتها.
وتوجّه رضوان الى أولئك المهرولين والمطبعين والمتعاونين مع الاحتلال بالقول ان هذا المسار خاسر ومصيركم الى زوال والمستقبل للصمود ولثوابت شعبنا الفلسطيني. مستغربا كيف أنه في الوقت الذي أثبتت فيه المقاومة نجاحاتها في مجالات عدة يصر البعض على المهانة والجلوس ذليلا على أعتاب الادارة الأميركية.
وفيما وصف مشاركة المطبعين والمهرولين في جولة المفاوضات الجديدة بأنه ذهاب الى بيت الطاعة الأميركي، وبأنه استدعاء لمن لا يملكون قرارهم لأجل التفاوض مع الاحتلال، لفت الى أن المفاوضات تجري في ظل استمرار تهويد القدس المحتلة وتوسيع رقعة الاستيطان، واستمرار العدوان والاشتراطات الصهيونية بالاعتراف بيهودية الدولة الاسرائيلية، فضلا عن الحديث عن اتفاق يوقع خلال عام فيما يجري تنفيذه على مدى 10 أعوام، خالصا الى ان كل ذلك يشير الى أن المفاوضات لن توصل الى شيء سوى الى مزيد من الذل والهوان والتراجع عن الثوابت لصالح الاحتلال الصهيوني.
وأضاف رضوان ان "رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس غير مخوّل للحديث باسم الشعب الفلسطيني وتمثيله في هذه المفاوضات"، لافتا بالتالي الى أن "أي اتفاق يجري توقيعه لن يعترف به الشعب الفلسطيني ولا حركة حماس ولا حركات المقاومة التي ستعمل على افشال المخططات التصفوية للقضية الفلسطينية".
وأشار رضوان في ختام حديثه لموقع "المنار" الالكتروني الى أن كل عملية تفاوضية سبقتها ورافقتها وأعقبتها عمليات عدوانية اجرامية ضد الشعب الفلسطيني، وهو لم يستبعد في هذا الاطار وبظل استمرار المسار التصفوي للقضية الفلسطينية، أن يقدم العدو على عدوان جديد ضد فلسطين أو لبنان أو سوريا وايران في الوقت الذي يريد فيه الأميركيون تهدئة الساحة الفلسطينية بالحديث عن مفاوضات لن تحقق شيئا.
من جهته، رأى القيادي في حركة الجهاد الاسلامي خالد البطش أن هناك جزءاً كبيراً من النظام الرسمي العربي بقاؤه في السلطة مرتبط بخيار التسوية، مشيرا الى أن ذلك هو ما يفسّر اصرار البعض على اعتماد مسار التسوية كخيار لحل القضية الفلسطينية، مشيرا الى أن "اسرائيل" أصبحت ضامناً لبقاء هؤلاء في سدة السلطة، ومستغربا كيف أن لجنة المتابعة التابعة لجامعة الدول العربية قدمت هدية مجانية لكيان الاحتلال، حينما استجابت للضغوط الأميركية والاسرائيلية بالسير في المفاوضات المباشرة، على الرغم من أن نتانياهو نجح بعدم تقديم أي تنازل لجهة وقف الاستيطان، ورغم استمراره بحصار غزة.
ولفت البطش الى أن اصرار البعض على السير بخيار التسوية أصبح نهجا وممارسة وفكرا، واصفا اياه بأنه خيط النجاة للكثير من الأنظمة، ومشددا على أن هذا الخيار ستكون نتائجه كارثية على صعيد الحقوق الفلسطينية كونه سيوصل الى تدمير الملف الفلسطيني وتصفية هذه الحقوق.
وفيما لم يستبعد البطش أن تكون جولة المفاوضات الجديدة غطاء لعدوان جديد يستهدف بعض الدول العربية سواء في فلسطين أو لبنان أو سوريا، أشار الى أن خيار المقاومة هو خيار الشعوب والقوى الحية وليس خيار الدول أو خيار بعض الرؤوساء العرب، موضحا أن من يتبنى هذا الخيار يدرك أن حركته ستكون مقيدة ومحدودة، نظرا للكلفة العالية لخيار المقاومة بما يعنيه من وقوف بوجه أميركا واسرائيل لافشال مخططاتهم، ولافتا في الوقت ذاته الى أن الكثير من قادة الأمة هم ليسوا من فرسان المقاومة، لذلك اختاروا طريق التسوية والذل الذي يؤمن مشاريعهم الخاصة على حساب مشاريع الأمة وحقوقها باعتبار أنه الخيار الأسهل بالنسبة لهم من المضي في خيار المقاومة.
وخلص القيادي في حركة الجهاد الاسلامية الى الاستنتاج أن "المفاوضات لن توصل الى نتائج ايجابية"، لافتا الى أن نتائجها المسبقة ستكون لصالح "اسرائيل" ومن خلفها الادارة الأميركية، موضحا ان سبيل المفاوضات يأتي انعكاسا لموازين القوى حيث يتم اللجوء اليه كلما كان من الممكن اني يحقق مصالح "اسرائيل". واشار البطش الى ان جولة التفاوض الحالية ستنطلق بشروط أميركية واسرائيلية، لأن نتانياهو لن يقبل بالتفاوض على فك حصار غزة ولا بوقف الاستيطان، ولا بالتنازل عن القدس المحتلة وجعلها عاصمة فلسطين ولا بقيام دولة فلسطينية بقوات وجيش مسلّح.
واذ حذر البطش من احتمال اقدام الاحتلال الصهيوني تدمير المسجد الأقصى المبارك، نبّه من أن هذه المفاوضات قد تشكل غطاء لحرب كبيرة، موضحا انهم يتحدثون عن السلام فيما كل الاستعدادات على الأرض تشير الى عكس ذلك، وتنذر بحرب قادمة ربما على لبنان أو سوريا من خلال الحشد الجاري لجيش الاحتلال على الحدود شمال فلسطين المحتلة.
أمام هذا المشهد القاتم، فان الصورة وحدها الباقية بعد كل هذا الطنين والرنين حول مفاوضات عقيمة، تلك الصورة التذكارية وان كانت ستحاط بهالة الحضور الرسمي لأقطاب خيار التسوية والذل، معززة بالحضور والمباركة العربية، ومكلّلة بمصافحات شكلية، فانها رغم ذلك تختصر المشهد بمجمله، وتحقق المبتغى للوقوف عند هذا الحد سواء بالنسبة لراعي التسوية الأميركي المنحاز، أو للطرف المعتدي والمتصلّف على غير وجه حق، وبعد ذلك سيطول الحديث غير المجدي عبر موجات لا تلتقي مع بعضها البعض، في قضايا لا ينفع تدوير الزوايا فيها، سيما بعدما اقتربت المفاوضات من لمس الخطوط الحمراء التي تطال المقدسات القادرة على نزع شرعية من يفرط بمقدار ذرة منها وعلى قلب الطاولة فوق رؤوس أصحابها.
علي عوباني