قال د. أنتوني كوردسمان، الخبير العسكري والاستراتيجي في مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية في واشنطن: «لا يعني خروج القوات الاميركية المقاتِـلة من العراق، أن الحرب الاميركية هناك قد انتهَـت أو أن الولايات المتحدة قد انتصَـرت وحقّـقت أهدافها من تلك الحرب.
فالتمرّد مازال خطيرا والمشاكل العِـرقية والتوتر الطائفي لم يهدَأ، كما أن الإخفاق المستمِـر في جهود تشكيل الحكومة العراقية الجديدة منذ انتخابات مارس الماضي، ينذر بتصاعُـد خطير في أعمال العنف».
ورأى د. كوردسمان أن الخروج الاميركي الحقيقي من العراق، سيحتاج إلى سنوات طويلة ولن يمكِـن للعراق أن ينعَـم بالاستقرار قبل عام 2020، حين تكون قوات الأمن العراقية في وضـع يسمح لها، عمليا، بتوفير الاستِـقرار للمواطن العراقي العادي، وحين يمكن أن يتحوّل العراق إلى دولة مستقِـرة تحكُـمه حكومة موحّـدة، تحظى بالتأييد الشعبي.
وردّا على سؤال آخر حول طبيعة الدور الاميركي في العراق بعد سحْـب القوات القِـتالية؟
، قال د. كوردسمان: «من الغريب أن القيادة الاميركية الوُسطى لم تطرَح أي تصوّر لوضع القوات الاميركية بعد سحْـب الوحدات المقاتلة، مما ترك الباب مفتوحا أمام الكثير من نظريات المؤامرة التي تراوحت بين اعتِـزام الولايات المتحدة الاحتفاظ بقوات يصِـل عدد أفرادها إلى خمسين ألفا في العراق لأجَـل غيْـر مسمّـى وبين انسحابها وِفق تعهُّـد الرئيس اوباما بحلول نهاية العام المقبل، بغضِّ النظر عن الأوضاع في العراق».
واعرب د. كوردسمان عن اعتقاده أن السبب في ذلك القصور في الرؤية، هو أن كثيرا من الاميركيين، وعلى رأسهم أعضاء الكونغرس، يريدون نِـسيان الورْطة الاميركية في العراق ويحلمون باليوم الذي يتقلّـص فيه الدور الاميركي في العراق في أسرَع وقت مُـمكن، مما يخلق شكوكا حول الرّغبة الاميركية الحقيقية في الدخول في شراكة استراتيجية مع العراق، رغم التسليم بأن العراق على المدى البعيد، يمكن أن يلعب دورا هامّـا في منطقة الخليج الفارسي والشرق الأوسط عموما.
وخلص كوردسمان إلى أنه يتعيّـن على إدارة الرئيس اوباما أن تطرح خطّـة واضحة للجهود الاميركية لمساعدة العراق، مدنيا وعسكريا، والعمل عن كثَـب مع الحكومة العراقية، متى تمّ تشكيلها، وتحدّد ما هي ملامِـح الشراكة الاستراتيجية المطلوبة مع العراق بعد سحب القوات المقاتلة.
حقائق ما بعد الخروج
من جهته قال كينيث بولاك، مدير مركز صابان لسياسات الشرق الأوسط حول تقييمه لما يعنِـيه مغادرة القوات القتالية الاميركية للعراق، بالنسبة لدور الولايات المتحدة بعد ذلك الخروج، ومستقبل العراق، بأن هناك خمس حقائق تحتاج التنبّـه لها حوْل ما سُـمي خروج القوات القتالية من العراق وهي:
أولا: أن القوات المتبقِّـية والتي يصِـل قِـوامها إلى خمسين ألف جندي، معظمها قوات قتالية، تم تسميتها باسم آخر، مثل وحدات للمساعدة والمشورة، في حين ستواصِـل تلك القوات مهامّـا قتالية، وهي لاتزال تشكِّـل قوات احتلال، وسيواصِـل الطيارون الاميركيون طلَـعَـاتهم الجوية لمساندة القوات العراقية على الأرض.
ثانيا: بقاء القوات الاميركية، التي سُـميَّـت وحدات المساعدة وتقديم المَـشُـورة، ضروري للحيلولة دون اندِلاع حرب أهلية في العراق، في ظل التطاحن العِـرقي والطائفي، الذي لازال قائما، فمع إدراك العراقيين أن اندلاع حرب أهلية سيُـضيف كارثة جديدة إلى سجِـلِّ الكوارث العراقية، فإن خطر تلك الحرب يظل واردا، طالما بقي الزعماء العراقيون مؤمِـنين بإمكانية تحقيق أهدافهم المُـتعارضة عن طريق استِـخدام القوة، لذلك، تتّـضح أهمية بقاء قوات عسكرية أميركية بعد خروج الوحدات المقاتلة.
ثالثا: رغم كل ما يُـقال عن تعثُّـر تشكيل الحكومة العراقية، ومع التَّـسليم بأن الحياة السياسية في العراق تواجِـه صعوبات تحُـول دون الوصول إلى نظام سياسي قادر على أداء وظائفه، إلا أنه يتعيَّـن على الولايات المتحدة والدول المجاورة والأمم المتحدة، أن لا تسمح للنظام السياسي في العراق بالفشل، وبالتالي، مازال يتعيَّـن عليها جميعا بَـذْل المزيد من الجهود، للمساعدة في توفير الاستقرار السياسي لعِـراق ما بعدَ الخروج.
رابعا: يتنازع العراقيين رغبتان متعارضتان. الأولى، رغبة في رُؤية آخِـر جندي أميركي يُـغادر الأرض العراقية.
والثانية، الخوف ممّـا يمكن أن يحدُث في العراق، إذا تمّ انسحاب أميركي كلِّـي، نظرا لعدم التأكُّـد من قُـدرة القوات العراقية على حِـفظ الأمن وتوفير الاستقرار، وكذلك عَـدم نُـضوج العملية السياسية بشكل يُـطمئِـن العراقيين إلى زوال شبَـح الحرب الأهلية.
خامسا: لا توجد حرب في العالم يُـمكن إنهاؤها وِفق جدوَل زمني معروف، لذلك، فإن تعهُّـد الرئيس اوباما بسحب باقي القوات الاميركية بحلول نهاية العام القادم لن يمكن الوفاء به، حيث أن الحاجة ستدعو إلى استمرار الوجود العسكري الاميركي في العراق لسنوات طويلة قادمة، سواء لحِـفظ الأمن والاستقرار أو للحفاظ على المصالِـح الاميركية في منطقةٍ من أهمِّ مناطِـق العالم، من الناحية الاستراتيجية.
بقاء للوُجود
في السياق نفسه، يتَّـفق مايكل أوهانلن، كبير الخبراء المتخصِّـصين في الشأن العراقي في معهد بروكنغز مع تقييم كينيث بولاك، ويعتقد بأن وضع العراق بعدَ خروج القوات الاميركية المقاتلة، لا يعني أن الرئيس أوباما سيكون قادِرا على الوفاء بتعهُّـده الخاص باستكمال سحب القوات الاميركية المتبقِّـية في العراق بحلول نهاية العام القادم ويقول: «قد يُـصبِـح وعد الرئيس اوباما وَعْـدا بعِـيد المنال، لأن الجِـراح الطائفية مازالت مفتوحة في العراق ولم تلتئِـم، كما تستمر الصِّـراعات العِـرقية بين عرب العراق وأكراده، خاصة حول كركوك، وبين عرب العراق وتركمانه في الشمال، ناهيك عن عدم الإستقرار السياسي والإخفاق في تشكيل حكومة عراقية، رغم مرور خمسة أشهر على إجراء الانتخابات البرلمانية. ويضاف إلى ذلك، أن قوات الأمن العراقية لم تُـختَـبَـر بعدُ فيما يتعلّـق بقُـدرتها على توفير الأمن والاستقرار، لذلك، سيكون الوجود العسكري الاميركي على أرض العراق أطْـول بكثير ممّـا يَـعِـدُ به الرئيس اوباما».
من جهته، عقد البروفيسور نوح فيلدمان، أستاذ القانون الذي عمِـل في السابق في منصب كبير مستشاري سلطة الحُـكم الاميركي الإنتقالي بعدَ غَـزْو العراق ( والذي أشرف على كتابة الدستور العراقي بنسخته الإنجليزية)، مقارنة بين العراق بعد انتهاء المهام القتالية وبين كوريا الجنوبية بعد انتهاء الحرب الكورية ويقول: «يُـشابِـه الوضع في العراق الآن، الوضع في كوريا الجنوبية بعدَ الحرب، حيث احتفظت الولايات المتحدة منذ هُـدنة عام 1953 بقوات أميركية للحِـفاظ على الأمن والاستقرار، ولاتزال حتى يومنا هذا تحتفِـظ بحوالي ثلاثين ألف جندي أميركي على الأرض الكورية، بعد ستين عاما من انتهاء المهام القتالية».
لذلك يعتقد المحلِّـلون السياسيون والعسكريون الاميركيون، أنه رغم إغلاق مئات من القواعد العسكرية الاميركية في العراق أو تسليمها إلى العراقيين مع سحب القوات القتالية الاميركية، ستظل هناك قواعد أميركية في العراق لعشرات السنين، طالما بقِـيت وحدات عسكرية أميركية تُـغيِّـر فقط إسمها إلى وحَـدات المساعدة وتقديم التدريب والمَـشُـورة، خاصة وأن رايان كروكر، السفير الاميركي السابق في العراق، أكّـد على أن الشراكة الإستراتيجية الاميركية مع العراق، وإن احتاجت إلى مواصلة العمل الاميركي في العراق لسنوات طويلة، فإنها في نهاية المطاف يُـمكن أن تُـغيِّـر الخريطة الاستراتيجية للشرق الأوسط.
*أنتوني كوردسمان- مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية في واشنطن