مع توافد قوافل مفاوضي السلام في الشرق الأوسط إلى واشنطن هذا الأسبوع للمرة المائة بعد الألف، يسود شعور بالتشاؤم من هذه المشاهد المألوفة - ولسبب وجيه.
لقد تحولت عملية السلام في الشرق الأوسط منذ فترة طويلة إلى تمثيلية مؤلمة لكونها مجرد عملية، في حين أن الأحداث على أرض الواقع - خاصة الاستيطان الإسرائيلي الاستراتيجي الذي لا يكل ولا يمل في الأراضي الفلسطينية المحتلة - تسحب في الاتجاه المعاكس للسلام. يقول أحد الوزراء العرب: نحن جميعا متواطئون في خدعة ثقة كبيرة . ويضيف وها نحن نعاود ذلك مرة أخرى .
وفي حين أن كثيرا من العوامل اجتمعت معا لمنح قوة الفيتو للرافضين من كلا الجانبين، لا تزال المسألة الجوهرية هي استمرار الاحتلال الإسرائيلي. ومن المهم أن نتذكر أن أكبر زيادة للمستوطنين اليهود في الأراضي العربية - زيادة بنسبة 50 في المائة - حدثت في الأعوام 1992-1996 في ظل حكومتي ، إسحق رابين وشمعون بيريز، في عز اتفاقيات أوسلو للسلام. وسيشير كثير من الإسرائيليين إلى غدر الراحل ياسر عرفات، الذي أراد مناقشة السلام، لكنه أبقى خيار المقاومة المسلحة الخطرة، إلا أن ما قتل أوسلو هو الاحتلال. وكانت الانتفاضة الثانية التي اندلعت قبل عقد من الزمن هي في جوهرها حرب أوسلو.
وبعد مرور عشر سنوات، عمل المشروع الاستيطاني الإسرائيلي على تحويل الضفة الغربية المحتلة إلى كانتونات متناثرة غير متقاربة، يفصلها جدار أمني تم بناؤه على مزيد من الأراضي العربية التي تم ضمها، والتي تتخللتها الطرق الإسرائيلية الفاصلة التي تربط بين المستوطنات. وفي الشهر الماضي، نشرت مجموعة بتسليم الإسرائيلية لحقوق الإنسان دراسة تظهر أن إسرائيل أخذت الآن 42 في المائة من الضفة الغربية، حيث يوجد 300 ألف مستوطن، إضافة إلى 200 ألف آخرين في القدس الشرقية. وحوّل الحصار المفروض على غزة هذه القطعة من الأرض إلى سجن شاسع في الهواء الطلق.
والسمة الرئيسية للوضع الحالي هي الفصل بين السياسة العليا لعملية السلام التي فقدت صدقيتها تماما وهذه الحقائق على الأرض - وفقا للمصطلح الإسرائيلي.
وفي القمة التي تم عقدها الشهر الماضي في البيت الأبيض، والتي عالج فيها باراك أوباما وبنيامين نتنياهو قطيعتهما الطويلة لتصبح هدنة سياسية، أشاد الرئيس الاميركي برئيس الوزراء الإسرائيلي واصفا إياه بأنه قائد مستعد لتحمل المخاطر من أجل السلام .
لكن لا يوجد أي دليل على ذلك قط. صحيح أنه في حزيران (يونيو) العام الماضي، وردا على خطاب أوباما في القاهرة الذي نفى فيه شرعية المستوطنات الإسرائيلية، أجبر نتنياهو نفسه على لفظ عبارة الدولة الفلسطينية - لكنه أحاط نفسه بمحاذير شائكة أفرغت الكلمات من معناها.
وفي الواقع، قد تكون الكلمات التي تستخدمها جميع الأطراف - السلام، القرار، الأمن وما إلى ذلك - هي نفسها، لكن ما يعنيه كل طرف بهذه الكلمات مختلف.
يتحدث قادة التيار العام الفلسطيني، الرئيس محمود عباس وسلام فياض، رئيس الوزراء، واللجنة الرباعية المكونة من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة وروسيا، عن قرار متفاوض عليه. وهذا يعني دولتين تعيشان بسلام وأمن، وإقامة وطن فلسطيني على 22 في المائة من فلسطين الانتداب التي احتلتها إسرائيل في الحرب الإسرائيلية العربية عام 1967. وستكون القدس الشرقية عاصمة للضفة الغربية وغزة، مع تبادل أراضي هامشي للحفاظ على بعض المستوطنات الإسرائيلية القريبة من القدس. لكن ما الذي يعنيه نتنياهو؟
لقد كان واضحا جدا بشأن الأمور التي لا يعنيها. فأولا، يعارض أي تنازلات متعلقة بالقدس. وهو يريد الاحتفاظ بمعظم المستوطنات باستثناء المستوطنات الأيديولوجية النائية و البؤر الاستيطانية التي يزيد عددها عن 100 التي تمت إقامتها لتكون بمثابة بيادق يتم تبادلها حين تبدأ لعبة الشطرنج. وفكرته عن الدولة الفلسطينية منزوعة السلاح أشبه بكونها إدارة بلدية من كونها حكومة مستقلة تحدد مصيرها.
هل سيفاجئنا، على أساس مبدأ نيكسون والصين المبتذل الذي ينص على أن السياسيين من اليمين هم الذين يعقدون الصفقات الصعبة بكل سهولة؟ ليس هناك كثير مما يوحي بذلك.
لطالما كان منحى تفكير نتنياهو، ابن المدافع عن إسرائيل الكبرى، تحرريا وحدويا بصورة عميقة. وفي حين أن حزب الليكود الذي ينتمي إليه يواجه قيودا، كونه يشترك في تحالف يضم مجموعة من اليمينيين المتشددين والأصوليين المتطرفين، إضافة إلى حزب العمل، من الواضح أن هذا كان خياره؛ وكان حزب كاديما من الوسط (ولا يزال) أحد البدائل. وكي نكون منصفين، فإن النظام الانتخابي في إسرائيل - مع حد منخفض للدخول إلى الكنيست يجعل التحالفات متعددة الأحزاب أمرا لا مفر منه - يعني أن جماعات الضغط، مثل المستوطنين، يمكنها أن تأخذ المصلحة الوطنية رهينة. إلا أن نتنياهو يضخّم ذلك عن طريق اختياره للشركاء وعن طريق إثارة الصقور المتطرفين في جماعة الضغط الموالية لإسرائيل في الولايات المتحدة.
ومن الأمثلة على المخاطر التي اتخذها من أجل السلام، تجميد بناء المستوطنات الذي صاحبته ضجة إعلامية مبالغ فيها، والذي ستنتهي مدته الشهر المقبل، والذي تم تفسيره، على أي حال، على نحو خادع. علاوة على ذلك، في حين كانت جرافات بناء المستوطنات خاملة، كانت الجرافات التي تهدم منازل الفلسطينيين نشطة: تضاعف معدل الهدم داخل القدس وحولَها هذا العام، في حين هدم الجيش قرية الفارسية في وادي الأردن، تمشيا مع هوس نتنياهو الاستراتيجي بإبقاء الوادي ليكون الحدود الشرقية لإسرائيل.
وفي حين تكافح الجهود الدبلوماسية لإبقاء حل الدولتين صالحا وقابلا للتطبيق، تبلورت ثلاثة أنظمة متنافسة للسيطرة في الأراضي المحتلة التي ستشكل الوطن الفلسطيني المستقبلي: المستوطنات، والسلطة الفلسطينية المعوجة لعباس وفياض، وحماس التي حاولت إسرائيل وحلفاؤها تهمشيها وفشلوا في ذلك. والوقت قصير ولا يكفي للتوصل إلى نتيجة عن طريق التفاوض، وربما يكون قد نفد الوقت.
إن الخطوط العريضة للاتفاق واضحة، وهي موجودة في معايير (بيل) كلينتون لعام 2000 ومبادرة السلام العربية لعام 2002، التي أقرتها 22 دولة عربية و57 دولة مسلمة (وكذلك حركة حماس، في إطار اتفاقية مكة لعام 2007). لا بد أن يتم إنهاء الاحتلال، ولا يمكن للولايات المتحدة واللجنة الرباعية أن تقول ذلك تلميحاً فقط، بل عليها المطالبة به.
*فاينانشال تايمز-ديفيد جاردنر