عاجل:

الإنسحاب الاميركي وتنامي النفوذ الاسرائيلي في العراق

السبت ٢٨ أغسطس ٢٠١٠
١١:٠٤ بتوقيت غرينتش
الحركة الصهيونية تراهن على القوى الخاصة والشركات المتعاقدة مع مختلف الأطراف المعنية في تنفيذ الشق الأمني من مخططها الاستيطاني الخاص بالعراق.

الحركة الصهيونية تراهن على القوى الخاصة والشركات المتعاقدة مع مختلف الأطراف المعنية في تنفيذ الشق الأمني من مخططها الاستيطاني الخاص بالعراق.

 

في مجال تقييم الظروف التي تم فيها تخفيض عديد القوات الاميركية وإنهاء المهام القتالية في الموعد المحدد، أغفل المراقبون والمحللون، المحليون والأجانب، أدوار القوى الإسرائيلية والمنظمات الصهيونية في العراق، وتجاهلوا حجم تواجدها الفعلي، الذي يتنامى بصورة سرية ومموّهة، بالتزامن مع جدولة الانسحاب، مما يجعل الحركة الصهيونية العالمية الأكثر استعداداً وجهوزية لملء الفراغ الأمني والسياسي والاقتصادي، وبالتالي تحويل الاحتلال تدريجياً إلى حركة استيطانية مكشوفة، تزاحم الشعب العراقي على أرضه، وموارده، وأسباب عيشه وبقائه.

 

يُجمع المراقبون على أن الإنسحاب يتم على عجل، الأمر الذي يخفي وراءه نوايا وخططاً من "صانع قرار" آخر يتحكم بقرارات الإدارة الاميركية، ويتساءل المراقبون والمحللون العسكريون كيف أن سحب بضعة آلاف من الجنود الاميركيين (حوالي 14000) كان يتم "بطريقة تكاد تشبه انسحاب الجيش المهزوم"، بالرغم من بقاء 50000 جندي بكامل جهوزيتهم القتالية، وفي ظل شروط آمنة تخلو تماماً من أية عوائق أو عمليات مقاومة. الأمر الأهم الذي يثير الالتباس، هو خروج الوحدات القتالية من دون أطقم أسلحتها الكاملة، خصوصاً المعدات الثقيلة وأنظمة السلاح المعقدة، إذ تفيد تقارير الصحافة التي تواكب تنفيذ الخطة منذ أسابيع، أن الآليات الكبيرة التي يتم سحبها تقتصر بمعظمها على ناقلات الجند وعدد محدود من الدبابات.

 

لقد التزم الرئيس الاميركي باراك أوباما بالجدول الزمني للانسحاب، بالرغم من معرفته المسبقة بعدم جهوزية البنتاجون لتنفيذ خطة الانسحاب، وسبق لمصادر وزارة الدفاع الاميركية أن بالغت بوصف خطة الانسحاب بأنها "كابوس لوجيستي مرعب"، ولم تخصص لها الميزانية الكافية لتنفيذها. وفي تقرير "مكتب المحاسبة العامة" لدى البنتاجون، الصادر في تموز 2010، ثمة شرح مفصل لعدم امتلاك البنتاجون الجهوزية اللوجستية الكافية لتوضيب مختلف الآليات والمعدات العسكرية والتجهيزات الخدمية، ونقلها إلى خارج العراق، لكن خلاصة التقرير أنه يبرر "اضطرار الإدارة الاميركية للتعاقد مع مزيد من الشركات الأمنية المتخصصة بالمهام اللوجستية". وعليه، فإن "عجز" المؤسسة العسكرية، الذي يصعب تصديقه أو تبريره، أعطى قيادة البنتاجون صلاحية التعاقد مع شركات لوجيستية خاصة، لتقوم بعملية التوضيب والصيانة والتخزين، الأمر الذي يخرج معظم الموجودات من ذمة وزارة الدفاع، ويضعها في عهدة الشركات الأمنية الخاصة كي تتصرف بها كما تشاء إلى أجل غير مسمى، ومن المعروف أن الجيش العراقي هو المكلف باستلام المعدات والمنشئات التي يخلفها الاحتلال بحسب الاتفاقية الأمنية، لكن حتى لحظة إعداد تقرير مكتب المحاسبة، أي قبل ثلاثة أسابيع من موعد استكمال خفض القوات في نهاية شهر آب، لم يحضّر المعنيون بالأمر أية لوائح بنوعية وكمية الأسلحة التي ستحتفظ بها القوات الاميركية أو التي ستبقيها للعراقيين.

 

تحدثت تقارير (مكتب المحاسبة العامة) بين عامي 2003 و2004، عن إخفاء كميات كبيرة من الأسلحة الخفيفة والمتوسطة، إضافة إلى "ضياع" ما يزيد عن ثمانية مليارات دولار من صندوق وزارة الدفاع الاميركية، كانت مخصصة لإعادة إعمار العراق، ولم يعرف مصير الأموال والأسلحة حتى الآن، رغم تشكيل لجنة من الكونغرس ومجلس الشيوخ للتحقيق في الأمر في عام 2007.

 

إن المسألة ابعد من كونها مجرد رشوات وإفساد، بل يمكننا القول إن "الاستهتار" أمر مفتعل، أو وجه مموه للتسهيلات المقصودة التي تخص بها واشنطن الشركات الأمنية، والميليشيات المذهبية، وأفواج القوات الخاصة، التي تدار، بشكل مباشر أو بالواسطة، من قِبَل أجهزة الموساد الإسرائيلي، وعليه نستنتج أن الموجودات والأسلحة الاميركية التي يمكن إخفاؤها أثناء عمليات الانسحاب الشكلي، أو غير المنظم، إضافة إلى المنشآت التي لن يتسع للقوات الاميركية تفكيكها ونقلها، بحسب تقرير (مكتب المحاسبة)، فكلها تتحول، بفعل الأمر الواقع، إلى ملكية الشركات الأمنية، والجيوش الخاصة، والمرتزقة، وغيرهم من أدوات تنفيذ المخطط الصهيوني.

 

على هذا النحو، يجري "الانسحاب غير المنظم" تبعاً لأجندة صهيونية أكثر منها تنفيذاً لإرادة الإدارة الاميركية، فالحركة الصهيونية، برأينا، تراهن على القوى الخاصة، التي تشمل المرتزقة والشركات المتعاقدة مع مختلف الأطراف المعنية، في تنفيذ الشق الأمني من مخططها الاستيطاني الخاص بالعراق، ويتجاوز عديد الفرق الخاصة الـ135000، وهؤلاء يمثلون فقط المتعاقدين حالياً مع وزارتي الدفاع والخارجية، ويقابلهم عدد مماثل من المتعاقدين مع شركات استثمارية أجنبية مرتبطة بمعظمها أيضاً، بشكل أو بآخر، بالحركة الصهيونية.

 

والقصة لا تنتهي عند هذا الحد، بل إن خطة الانسحاب تستلزم، بالتزامن مع تنفيذ كل مرحلة بما فيها المرحلة النهائية في كانون الأول 2011، التعاقد مع المزيد من الشركات الأمنية الخاصة لتنفيذ الخدمات اللوجيستية المتنوعة، إضافة إلى أعمال صيانة أنظمة السلاح المتطورة وتشغيلها، وتخزين ممتلكات البنتاجون من العتاد والذخائر وما إلى ذلك، وفي نهاية الأمر، سيتجاوز عديد "جيش الغرباء" عديد الجيش العراقي ويتفوق عليه بالعتاد والأسلحة والقدرات القتالية. فمع تنامي القوى الأجنبية المسلحة على أرض العراق، إضافة إلى التجمعات المدنية المتمثلة بعشرات آلاف الموظفين في الشركات الاستثمارية، يأخذ هذا التواجد شكلاً جديدا، وتحدياً مستعصياً، يحاكي تنامي قوة العصابات الصهيونية وعدد المهاجرين اليهود عشية انسحاب آخر جندي بريطاني من فلسطين عام 1947، حين ورث الصهاينة، دون السكان الأصليين، إدارات الانتداب البريطاني ومؤسساته، وكامل عتاد قواته المسلحة.

 

إن الحقيقة المرة التي يتغافل عنها السياسيون، في العالمين العربي والإسلامي، هي أن الحركة الصهيونية العالمية تسيطر اليوم، في ظل الاحتلال و حتى ما بعد الانسحاب، ليس فقط على حكومة إقليم كردستان، بل على جيوش خاصة لا تعرف السلطات العراقية هوية عناصرها ولا عديدها، ولا تشملها خطط الانسحاب الاميركي، الحالية أو النهائية. ولا ننسى أن هذه المنظمات الأمنية تمتلك حق استخدام ما في عهدتها من مختلف أنواع الأسلحة الحديثة، البرية والجوية والبحرية (وقد يستمر هذا الحق حتى بعد انتهاء مفعول العقود)، تحت مسمّيات "حماية المصالح الاميركية" المتمثلة بأكبر وأضخم سلك دبلوماسي في العالم، وبالشركات الإعمارية والاستثمارية الأجنبية التي تسيطر فعلياً على مجمل القطاعات الحيوية في الاقتصاد العراقي، وتتمتع بالحصانة التي منحت للجنود الاميركيين بحسب بنود "الاتفاقية الأمنية".

 

قد يختلف المحللون الغربيون في تفسير دوافع التزام الإدارة الاميركية بالجدول الزمني المعلن لإنهاء المهام القتالية لقوات الاحتلال. فمنهم من يرى في هذا الالتزام وسيلة لتعزيز مواقع الديمقراطيين في الانتخابات النصفية في مطلع عام 2011، ومنهم من يعلّل الانسحاب بالعجز المالي في ظل الأزمة الاقتصادية العالمية، وما إلى ذلك مما يندرج في باب "الترف الفكري" الذي لا يقدم أو يؤخّر في واقع الأزمة، لكن إذا أخطأ السياسيون والمحللون، في العالمين العربي والإسلامي، تكون العواقب وخيمة على المنطقة والأمة بأكملها. والغريب أن معظم هؤلاء يصرون على أن "الانسحاب" يأتي نتيجة فشل "مشروع الشرق الأوسط الجديد"، وكأن هذا هو الهدف الحقيقي للهجمة الصهيونية الاميركية على المنطقة، ويعتقدون أن هذه الهجمة قد انحسرت، وأن الانسحاب سوف يخلق "فراغاً أمنياً"، وما على القوى العراقية، ومن خلفها الدول المجاورة، إلا أن تغرق في "ترف" التهيؤ والاستعداد للتصارع فيما بينها والتسابق على ملء هذا الفراغ.

 

لن يترك الاحتلال في نهاية عهده الموعود ما يستحق أن تتسابق على وراثته القوى العراقية أو الدول العربية والإسلامية المجاورة. لقد خلّف الاحتلال وضعاً تنامى فيه النفوذ الصهيوني العسكري والسياسي والاقتصادي في مئات المواقع التي يُحظر على العراقيين المدنيين والعسكريين مجرد الاقتراب منها، ولا تقع ضمن السيادة العراقية المزعومة، وذلك بحسب الاتفاقية الأمنية "الملغومة". وكذلك ترك الاحتلال أرضاً خصبة للإبقاء على الحركات الإرهابية، بل ومصادر تغذيتها حسبما تدعو الضرورة، وللصراعات المذهبية والعرقية والطائفية، وللتسابق بين القيادات السياسية على مكتسبات أنانية ضيقة تتمثّل بفتات ما تسمح به الشركات الأجنبية وعائدات النفط.

 

إن تعامي المحللين والسياسيين، في العالمين العربي والإسلامي، عن هذه الحقائق المريرة لها الأثر الأكبر في تحديد مسار الأحداث بما لا يخدم مصالح الأمة. إن من أبرز نتائج التحليل الخاطئ هو نشوء الوهم في صفوف القوى العراقية والدول المجاورة بقدرتها على ملء الفراغ، ولن تحصد سوى المزيد من الصراعات البينية، وتأجيج نار الفتن، والإمعان في تدمير المجتمع العراقي، الأمر الذي يُسهّل على الصهاينة بناء "دولة داخل الدولة"، تتمتع بكامل البنى التحتية اللائقة، وبالأمن والأمان والرعاية، وبكل ما يحرم منه العراقيون في ظل القوى السياسية المتهالكة على سلطة فارغة لا تستطيع ضمان حاضرها ولا استشراف مستقبلها.

 

إن الاحتلال الأجنبي للعراق لم يستكمل أهدافه الحقيقية بعد، وهو مثابر على تحقيقها، وليس الانسحاب الراهن والقادم في الواقع سوى مرحلة ضرورية يبدل فيها الاحتلال جلده، ويغير هوية المحتلين لا أكثر ولا أقل.

*عدنان محمد العربي- أسبوعية الثبات اللبنانية

كلمات دليلية
0% ...

آخرالاخبار

حرس الثورة: أمريكا وكيان الاحتلال سيرضخان لواقع منطقة خالية من وجودهما


صنعاء تعلن عن عدوان سعودي كبير على محافظات يمنية وتؤكد أنه لن يمر دون رد


استطلاع رأي "رويترز ايبسوس": 17% فقط من الأميركيين يؤيدون طريقة تعامل ترامب مع تكاليف المعيشة


الخارجية القطرية: أي اتفاق بين واشنطن وطهران لن يكون نهائيا بل سيكون كافيا لبدء التفاوض


المتحدث باسم الخارجية القطرية: نحن بحاجة إلى حل دبلوماسي مستدام يحقق الضمانات الأمنية لكل دول المنطقة


المتحدث باسم الخارجية القطرية: نسعى إلى تسهيل اتفاق بين واشنطن وطهران حتى لو قصير الأمد ليفتح الباب لمفاوضات


حرس الثورة: العدو بعد فشله في المجال العسكري، لجأ إلى حروب هجينة ونفسية واقتصادية وإعلامية


حرس الثورة: القوات المسلحة على أهبة الاستعداد للرد بحزم وبشكل مدمر على أي اعتداء أو خطأ في حسابات العدو


حرس الثورة: على أمريكا والنظام الصهيوني أن يدركا أن عليهما، عاجلًا أم آجلًا، القبول بمنطقة خالية من وجودهما الخبيث والإجرامي، وأنهما لن يتمكنا من الإفلات من هذا المصير


وزير الداخلية الباكستاني لبزشكيان: عازمون على مواصلة تطوير وتعزيز العلاقات والتعاون بين البلدين في مختلف المجالات


الأكثر مشاهدة

نفاد الوقود يهدد مستشفيات غزة بالشلل ويهدد حياة المرضى


تقدم يمني متسارع يربك القوات المدعومة سعودياً في تعز ولحج


ترامب يصعّد ضد إيران و"إسرائيل"تترقّب ساعة المواجهة


اللواء رضائي: لا خيار أمام أمريكا سوى قبول شروط إيران


قوات الاحتلال تجري عمليات نسف في المناطق الشرقية لمدينة غزة


آليات الاحتلال تطلق النار شمال مدينة بيت لاهيا شمال غربي قطاع غزة


مصادر محلية: مستوطنون يقتحمون قرية "عورتا" جنوب نابلس، ويؤدون طقوساً تلمودية في مقام "العزير".


‏السفارة الأميركية في القدس المحتلة تحذّر مواطنيها في الكيان من احتمال إغلاق المجال الجوي، وفرض قيود، على خلفية تصاعد التوترات في المنطقة


مع اقتراب عيد "الغفران" اليهودي.. دعواتٌ فلسطينية للحشد والرباط في المسجد الأقصى المبارك، للتصدي لاقتحامات المستوطنين وإفشال مخططات الاحتلال


مصادر فلسطينية: قوات الاحتلال تقتحم بلدة قباطية جنوب جنين


الشيخ قاسم: الصمود في مواجهة الاحتلال ومنع تحقيق أهدافه هو انتصار