في اجتماع بلا نصاب، وقرار بلا تصويت، حسمت السلطة الفلسطينية أمرها، وقررت الذهاب إلى مفاوضات مباشرة وغير مشروطة مع "إسرائيل"، وتكفّل "أمين سر" الرئيس، أمر تسويغ القرار وتسويقه، في بيان لا يليق بلحظة الانصياع ولا ينسجم مع مشاعر الحرج التي تحيط عادة باتخاذ المواقف والقرارات المأزومة، أما "كبير المفاوضين الأزلي"، فقد تولّى أمر "التلويح" بالانسحاب من المفاوضات إن استأنفت "إسرائيل" عمليات الاستيطانية، ليعود الرئيس ويقول شيئاً مماثلاً، فيما "ماكينة التسريبات إياها" ما تزال تتحدث عن "ضغوط غير مسبوقة" و"مكالمات ثلاث هدأت روع عباس وحالت دون قلبه الطاولة على رؤوس الجميع"، ناهيك "عن مهلة الشهر" التي طلبها لسبر أغوار التفاوض المباشر، وهي المهلة التي تذكر بمثيلتها زمن محادثات التقريب، والتي لم يصمد العرب والفلسطينيون حتى نهايتها.
أياً يكن من أمر، فقد سبق وتناولنا هذه المسائل من قبل، وسنعود إلى تناولها من بعد، لكن مقالة هذا اليوم مخصصة لتقديم "نصيحة مجانية" للقيادة الفلسطينية، وهي التي صمّت آذانها عن نداءات الفصائل والشخصيات والمجتمع المدني وكل من له صلة ويتملك بقايا غيرة على فلسطين أرضاً وشعباً وحقوقاً.
تقترح النصيحة، أن تتوقف القيادة الفلسطينية عن التلويح بالانسحاب من المفاوضات إن عاودت "إسرائيل" أعمالها الاستيطانية، وأن تطلب بشكل خاص إلى "كبير المفاوضين" أن يكف عن الحديث في هذا الأمر، وأن يختار موضوعات أخرى لمقابلاته وتصريحاته الصحفية.
نقول ذلك و"في البال" والخلفية جملة أسباب أهمها:
(1) إن "إسرائيل" لم تتوقف عن الاستيطان طيلة فترة محادثات التقريب، لا في الضفة الغربية ولا في القدس، وقد فضحت منظمات إسرائيلية هذا الأمر بأوضح مما فعلت السلطة ذاتها، ومع ذلك دخلت السلطة في محادثات التقريب "العبثية بشهادتها، وانتقلت منها إلى المفاوضات المباشرة غير المشروطة (تقرأ مع استمرار الاستيطان).
(2) أن لغة التهديد والوعيد حين تصدر عن صاحب "المفاوضات حياة" تفقد معناها وتضيع رسائلها والمرسلة إليهم، إن كان لا بد من التهديد والوعيد، ولكي تصل الرسالة الفلسطينية إلى غايتها، فإنه يتعين البحث عن "مُرسل" آخر، يمكن أن تؤخذ تهديداته على محمل الجد (قرار عن المجلس المركزي مثلاً، أو مؤتمر وطني عام).
(3) وهذا هو الأهم، على السلطة أن تكون متيقنة مما تلوّح به وتهدد، حتى لا تتكرر تجربة "الهبوط المهرول وغير المنظم عن الشجرة"، والذي تكرر مرتين في غضون عدة أشهر، وأراق ما تبقى من ماء الوجه والكرامة والحقوق.
مائدة المفاوضات ستلتئم في الثاني من أيلول القادم، والمفاوضات التي ستنطلق في ذلك التاريخ، ستستمر بعد السادس والعشرين من الشهر ذاته، موعد انتهاء مهلة تجميد الاستيطان (الجزئي والمحدود) المعمول بها منذ تشرين الثاني، ولن تقوى السلطة على الانسحاب من المفاوضات، لأن الأسباب التي دفعتها للعودة إلى "بيت الطاعة" بعد أسابيع من التمنع والمماطلة (أو التمهيد وتحضير الرأي العام)، ما زالت قائمة، وستظل تفعل فعلها إلى ما شاء الله، طالما أن "الاعتمادية" الفلسطينية على مراكز القرار باتت مطلقة أو شبه مطلقة، وطالما أن تأثير "إسرائيل" على هذه المراكز، وتحديداً المركز الأهم: واشنطن، ما زال مطلقاً أو شبه مطلق.
ستُصرف الرواتب لشهري آب وأيلول، وستُسدد الفواتير الرئيسة للفترة ذاته، أما "التشارين" و"الكوانين" فما زالت في علم الغيب، أو بالأحرى رهن بـ"المرونة التفاوضية الفلسطينية"، فإن أخذ المفاوض الفلسطيني يستجيب لأفكار ميتشيل "التجسيرية" كان به، أما أن "ركب رأسه" ولوّح جدياً بمغادرة غرف التفاوض، فسنبدأ نسمع من جديد عن تأخر صرف الرواتب وارتفاع أرقام المديونية الفلسطينية واستنكاف المصارف المحلية عن إقراض السلطة خصوصاً بعد أن جاوزت مديونيتها المليار دولار، وستبدأ صرخات "الاعتدال" و"العقلانية" تتصاعد من جديد.
السلطة ليست قادرة على تنفيذ تهديدها ووعيدها بالانسحاب من المفاوضات، ومن الأفضل لها أن تقرأ جيداً فصول المواجهة بين نتنياهو وأوباما، بين "إسرائيل" والمجتمع الدولي، وكيف انتهت إلى استئناف المفاوضات بلا شروط، عبر مذكرة جلب أميركية، وبيان دولي (الرباعية) خال من الدسم لا يُعدُّ بحال من الأحوال مرجعية للمفاوضات وهو غير ملزم لأحد على أية حال.
طبعا لا مصلحة ل"إسرائيل" أو الولايات المتحدة وبالأخص الرباعية الدولية، في حرق السلطة وتسريع انهيارها، سيجدون لها مخرجا كما فعلوا بالأمس حين أصدرت الرباعية بيانها إياه لإلهاء السلطة وستر عورات تراجعها عن شروطها، والمخرج كما تقول "التسريبات" من الآن، سيتمثل في إعلان استئناف التوسع في الكتل الاستيطانية والقدس، واستمرار التجميد في البؤر والمستوطنات "المطرفة" التي تقول حكومة نتنياهو بأنها قد تضطر لإخلائها.
عندها لن يكون أمام السلطة أية حجة أو ذريعة، فهي قبلت بضم الكتل الاستيطانية ل"إسرائيل" بما يعني أن لا حاجة للاعتراض على التوسع في مستوطنات لن تكون جزءاً من الدولة الفلسطينية، والقدس مدرجة على لائحة موضوعات الحل النهائي، ولا داعي لاستباق نتائج المفاوضات النهائية، والتقرير من الآن أي الأحياء والمناطق ستتبع للسلطة وأيها سيكون تحت "السيادة الإسرائيلية".
دائماً ستكون هناك "مخارج وتخريجات" هدفها في المقام الأول والأخير، حفظ ما أمكن حفظه من ماء الوجه، ليس حرصاً على أصدقاء واشنطن من الفلسطينيين، بل رغبة في منع خصومها (من الفلسطينيين الآخرين) من تعزيز مواقعهم ومواقفهم.
لكل هذه الأسباب، ننصح بعدم الاستمرار في "هز السبّابة" أمام شاشات التلفزة، فلا حاجة لنا بها ولا بالتعبيرات الغاضبة التي ترتسم على وجوه المتحدثين والناطقين باسم "المفاوضات حياة"، فالمكتوب الذي قرأناه من عنوانه، عدنا وقرأنا كل كلمة وسطر فيه، ووجدناه فارغاً وعبثياً.
*عريب الرنتاوي -صحيفة الدستور الأردنية