في ظل اضطراب الدول العربية؛ بسبب ثورة التغيير التي اجتاحت الشرق الأوسط بدأ الرئيس الأمريكي باراك أوباما، ووزيرة خارجيته الشقراء هيلاري كلينتون بتجهيز طبخة جديدة للتوصل إلى حلم حل الدولتين الذي تعهد به أوباما في جامعة القاهرة 2009م، لكن من اللافت للنظر أن مبادرته لم تثير دهشة الصهاينة، فهي لم تحمل أي جديد.
ورغم اقتناع كثيرون من أقطاب التسوية بأن المفاوضات الصهيونيه- الفلسطينية وصلت إلى طريق مسدود، لارتطام عربتها بجدار الرفض والتعنت الصهيوني باستمرار بناء الكتل الاستيطانية في القدس المحتلة، إلا أن اللقاءات بين الجانبين لم تتوقف بعد فشل المفاوضات الغير مباشرة بحسب عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية د.صائب عريقات في دراسة منشورة في آذار/ 2011م بعنوان " الوضع السياسي على ضوء استمرار وقف المفاوضات ونجاح الخيارات الفلسطينية" حيث قال: " إن الاتصالات الفلسطينية مع الإدارة الأمريكية، وأعضاء اللجنة الرباعية لم تنقطع، فلا يكاد يمر يوم دون أن يجتمع الرئيس عباس وأعضاء فريقه مع أعضاء اللجنة الرباعية الدولية وغيرهم من أعضاء المجتمع الدولي".
طريق مقطوع
ويقطع أوباما بخطته الجديدة مشوار محمود عباس الذي يسعى لحشد تأييدا كبيرا من الدول الأوربية للاعتراف بالدولة الفلسطينية المستقبلية على حدود 1967م قبل أيلول المقبل موعد ذهابه للأمم المتحدة؛ بعد أن أقفل مجلس الأمن الأبواب بوجهه في فبراير الماضي عندما استخدمت الولايات المتحدة حق " الفيتو" في مجلس الأمن لإسقاط مشروع قرار عربي يدين الاستيطان الصهيوني.
من الواضح أن خطة أوباما ستبقى حبيسة أدراج البيت الأبيض، فتكهنات الصهاينة تقلل من فرص نجاحها، فهي لم تنال رضا الرئيس الدويلة العبرية شمعون بيرس الذي اعتقد بأن " دولة الاحتلال" يتعين عليها طرح مبادرة سلام خاصة بها، وعدم الاعتماد على خطط سلام تقدمها دول أخرى.
ويشكك الصهاينة في إمكانية طرح خطة أوباما التي تشتمل على أربعة مبادئ أساسية تتمثل في إقامة دولة فلسطينية على حدود 1967م، والقدس عاصمة للدولتين، وإلغاء حق العودة للاجئين الفلسطينيين ، وذكرت "ايتلا سومفالفي" الكاتبة في صحيفة "يديعوت أحرنوت" العبرية على لسان مقربين من شمعون بيرس أنهم لم يدركوا بعد صيغة الخطاب الذي من المقرر أن يلقيه نتنياهو أمام الكونجرس الأمريكي الشهر المقبل، ويتضمن مبادرة جديدة لتحريك عملية السلام الراكدة، لكنهم قالوا: أنه ما من رئيس وزراء من الليكود يمكنه الحديث عن حدود الدولة الفلسطينية 1967م، ولقد أدلى نتنياهو بتصريحات سابقة في ذلك الشأن، ولا نتوقع أن يغير موقفه.
مع ذلك لم يستغرب المقربون من نتنياهو على موافقته الانسحاب من بعض مناطق " ب و ج" التي تخضع للسيطرة الصهيونية، لكنه لن يجرؤ على وقف الزحف الاستيطاني.
وتنظر السلطة الفلسطينية إلى خطة نتنياهو المرتقبة على أنها ستجهض التحرك الفلسطيني المدعوم عربيا للتوجه إلى مجلس الأمم المتحدة لإعلان الدولة الفلسطينية، والالتفاف على بيان الرباعية الدولية التي أكدت فيه إنها ستعترف بالدولة الفلسطينية في سبتمبر القادم إذا لم يقدم نتناهو مبادرة جادة لعملية السلام .
إحراج أمريكي
ومن اللافت للنظر أن طرح مبادرة أوباما ونيلها ثقة قطبي التفاوض الفلسطيني والصهيوني تبدو صعبة المنال، لأن نتنياهو لا يمكنه الحديث عن حدود الدولة الفلسطينية ، ورفض تكتله اليميني تلك الفكرة أصلا، كما أن عباس لا يمكنه التخلي عن حق العودة، وتقديم تنازلات جديدة على مائدة المفاوضات.
ويتوقع الكاتب الإسرائيلي ( ايلي بردنستن) من صحيفة معاريف العبرية ألا يكتفي الفلسطينيون بشروط خطة أوباما ، وأنهم سيطالبوا بوقف بناء الكتل الاستيطانية في القدس وهو ما سيحرج الإدارة الأمريكية، التي أصبح بموجبها أوباما كالبطة العرجاء، لتراجعه عن قراره في تجميد الاستيطان، وانزلاقه نحو السياسة الصهيونية في ظل التغول الاستيطاني، لاسيما بعد إعلان وزارة إسكان الدويلة العبرية نيتها في التخطيط لبناء حي جديد في مستوطنة "غفعات زئيف" في قرية بيتونيا شمال غرب القدس, يتضمن بناء 800 وحدة استيطانية جديدة.
قصارى القول أن مبادرة أوباما ستبقى حبر على ورق كسابقاتها من المبادرات، ولن يبقى أمام عباس سوى اللجوء للأمم المتحدة في أيلول المقبل، لكنه لن يفلح فيما يصبو إليه وسيبقى يلهث خلف السراب، لأن الإدارة الأمريكية لن تدعم أي خطوة فلسطينية أحادية الجانب ترمي لنيل اعتراف الأمم المتحدة بدولة فلسطينية، فحل الدولتين بمنظور الولايات المتحدة لن يتحقق إلا بمفهوم التفاوض، علاوة على ممارسة الضغوط الأمريكية على السلطة المنكشف ظهرها نظير ما تتقاضاه من مساعدات مالية،وإشراف أمريكي على بناء المؤسسة الأمنية في الضفة الغربية.