سادت شوارع العاصمة بيشكيك حالة من الهدوء بعد أسبوع من المظاهرات، في وقت أعلن الجيش الأميركي تعليق الرحلات العسكرية لنقل جنوده من قاعدته العسكرية في ماناس في قرغيزستان، على أن يتم نقل الجنود الأميركيين من والى أفغانستان عبر الكويت .
وتجمع حوالي سبعة آلاف شخص في مقبرة “اتا بيت” الواقعة على بعد 40 كلم عن العاصمة بشكيك، أمام جثامين الضحايا التي كفنت ولفت بالعلم الوطني لتوارى الثرى في هذه المقبرة التي تضم نصباً تذكارياً لضحاياً ما يسمى “القمع الستاليني” ودفن فيها الكثير من شخصيات البلاد . وشارك في مراسم الدفن أعضاء الحكومة الانتقالية التي شكلتها المعارضة اثر إطاحتها بالرئيس كرمان بك باكييف، وقد استقبل هؤلاء لدى وصولهم بالأناشيد الشعبية والصلوات .
وقالت رئيسة الحكومة الانتقالية روزا اوتونباييفا ان “هذا النظام (المخلوع) أصبح عدو الشعب لأنه أطلق النار على أناس وطنيين، على نخبة أبناء هذا البلد، ونحن سنفعل كل ما بوسعنا من أجل إرساء سلطة عادلة في قرغيزستان” . وأضافت “باكاييف لديه فرصة لمغادرة البلاد . . سنضمن سلامته . . فقط سلامته الشخصية إذا استقال” . ولم يتضح على وجه الدقة الملاذ الذي لجأ إليه باكاييف .
بدوره قال عمر بك تكباييف المكلف من الحكومة الانتقالية إصلاح الدستور “سوف نبني ديمقراطية حقيقية لأننا إن لم نفعل فإن أرواح القتلى لن تغفر لنا أبدا” . وأضاف “لقد دحر شعبنا الدكتاتور” . وقال كوات نيازبكوف الذي حضر الجنازة اليوم إن شقيقه قتل في الانتفاضة . وقال “لا ندري في واقع الأمر ما حدث في الميدان” . وأضاف “ليس بمقدورنا ان نصفح عن رئيس كهذا” .
وفي جنوب البلاد، حيث معقل الرئيس المخلوع، الغي تجمع شعبي، بسبب الحداد العام الذي أعلنته السلطات الانتقالية الجمعة والسبت . وقال عميد مجلس حكماء المنطقة اديش كوتشكوروف مخاطباً حشداً من حوالي 300 شخص “يجب أن يبقى الشعب موحداً، علينا أن نتوحد كمسلمين، لدينا جميعا المقابر نفسها” .
إلى ذلك، قال الكومندان جون ريدفيلد، المتحدث باسم القيادة الوسطى في الجيش الأميركي التي تشمل صلاحياتها آسيا الوسطى والشرق الأوسط “نظراً للاضطرابات السياسية التي يعيشها هذا البلد في آسيا الوسطى، فإن القرار اتخذ مساء الجمعة بوقف الرحلات مؤقتاً لنقل القوات” من مطار ماناس في بشكيك . وأضاف أن العسكريين الأميركيين سينقلون عبر رحلات أخرى” . وأعلن مسؤول عسكري أميركي أن “جميع الرحلات لنقل الجنود من والى أفغانستان ستنظم عبر الكويت” حيث للولايات المتحدة نقطة ترانزيت كبيرة . وحسب مسؤول آخر، فإن تعليق هذه الرحلات سيستمر “72 ساعة” وقد تقرر “بداعي الحيطة بعد رصد مدرعات في الجانب المدني من المطار” الذي يضم القاعدة الأميركية الجوية . وأوضح أيضا أن رحلات طائرات التموين الأميركية ستتواصل بشكل طبيعي .
وأعلن الجنرال جيمس جونز، مستشار الأمن القومي الأميركي، رداً على سؤال حول ما إذا كانت الولايات المتحدة ستعترف بالحكومة القرغيزية الجديدة، قال إن الأمر لم يبت بعد . وقال “إنه وضع يتطور” وان الإدارة “سترى ماذا سينتج عنه” مضيفاً أن الرئيس الأميركي سيبحث الأمر مع وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون .
واصبح رئيس الوزراء الروسي فلاديمير بوتين أول زعماء العالم الذي يعترف بالحكومة الجديدة بعد ساعات من توليها مقاليد السلطة ما يثير شكوكاً في أن موسكو ربما تكون قد لعبت دوراً في الانتفاضة . ووصفت أوتونباييفا روسيا بأنها حليف مهم ووجهت الشكر لبوتين علانية لدعمه الحكومة الجديدة . والتقى المظ بك اتامباييف نائب رئيس الحكومة الجديدة مع بوتين في موسكو.
واعلن رئيس اركان الجيش الروسي نيوكولاي ماكاروف ان بلاده ارسلت نحو 150 مظليا الى قاعدتها العسكرية في قرغيزستان غداة الاضطرابات العنيفة التي شهدها هذا البلد.
وقال ماكاروف ان الرئيس الروسي ديمتري مدفيديف قرر ارسال هذه التعزيزات الى قاعدة "كنط" قرب العاصمة بشكيك لحماية عائلات الجنود الروس هناك.
في غضون ذلك، أعلن الاتحاد الأوروبي أنه قرر إيفاد السفير بيير موريل مبعوثا خاصا إلى قرغيزستان. وحسب متحدثة باسم الاتحاد الأوروبي، سيصل موريل إلى بشكيك في مهمة تهدف لتقصى الحقائق والتعرف على تطورات الأوضاع، وإجراء اتصالات مع السلطات المحلية ومعاينة ما يمكن للاتحاد الأوروبي أن يضطلع به في هذه المرحلة على صعيد تقديم المساعدات وتنسيق التحركات الدولية.
وأعلن الرئيس المخلوع أنه يخشى من التعرض للقتل إذا عاد إلى العاصمة، بعدما استهدف أنصار المعارضة مكتبه خلال انتفاضة الأربعاء الماضي . وأبلغ باكييف هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي)، الجمعة، أنه “يخشى من التصفية على يد المسؤولين عن انتفاضة بشكيك”، والتي اعتبرها “عملية سرية منظمة تنظيماً جيداً وتورطت بها دولة أجنبية”، رفض الكشف عن هويتها .
الصراع في غيرغيزستان
تقع قرغيزستان في أقصى الجزء الشرقي لمنطقة آسيا الوسطى, وهي تجاور من الناحية الشمالية كازخستان, ومن الناحية الشرقية الصين, ومن الناحية الغربية أوزبكستان, أما من الناحية الجنوبية, فهي تجاور طاجكستان.
كانت قرغيزستان أحدى جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق, وأًصبحت بعد انتهاء الحرب الباردة إحدى جمهوريات آسيا الوسطى المستقلة, هذا, وتبلغ مساحة قرغيزستان 199900 كم مربع, ويبلغ عدد سكانها 5,5 مليون نسمة, 68,9% قرغيز, و14,4% أوزبك, و9,1% روس, و7,6% ينتمون إلى المجموعات الإثنية الأخرى, هذا, وينتمي 75% من السكان إلى الإسلام, و20% إلى المسيحية الأرثوزوكسية الروسية, و5% إلى الأديان الأخرى مثل البوذية, هذا, وتجدر الإشارة إلى وجود 2000 يهودي قرغيزي.
تشير المعلومات الأولية إلى أن مفاعيل الصراع القرغيزي الحالي تقوم على أساس اعتبارات التناقضات التي نشأت على طول الخطوط الآتية:
• الانقسامات الإثنية: يوجد صراع حول النفوذ بين إثنية القرغيز وإثنية الطاجيك.
• الانقسامات السياسية: يوجد صراع بين القوى السياسية المحافظة التي تتمسك ببناء الروابط ضمن بيئة آسيا الوسطى. والقوة السياسية الليبرالية التي تطالب بالانفتاح نحو الغرب والولايات المتحدة.
وعلى خلفية هذه الخطوط فقد سبق وأن شهدت قرغيزستان بعد الانفصال عن الاتحاد السوفييتي, قيام النخبة الشيوعية التي كانت مسيطرة بالاستمرار في الإمساك بالسلطة, حيث نجح الرئيس عسكر أكاييف في الإمساك بزمام السلطة, وبسبب فضيحة الفساد التي اندلعت في عام 1993م, أصدر الرئيس عسكر أكاييف قراره بحل حكومة فيليكس كولوف وكلف عباس جوماغولوف بتشكيل الحكومة الجديدة.
استمرت سيطرة الرئيس عسكر أكاييف على السلطة, ونجح في تمرير الدستور الجديد, وبالمقابل تزايدت المعارضة السياسية لنظامه, وفي عام 2002م تم اعتقال زعيم المعارضة عظيم بيك نزاروف, الأمر الذي ترتب عليه اندلاع الاحتجاجات والمظاهرات الصاخبة, إضافة إلى أعمال العنف وسقوط القتلى والجرحى.
تزايدت الاحتقانات, وضغوط المعارضة بسبب تزايد نشاط النخب السياسية المطالبة بالانفتاح على أميركا والغرب, وفي عام 2005م, اندلعت الموجة النهائية لثورة ملونة, أطاحت بالرئيس عسكر أكاييف, وتولى المنصب الرئيس كورمان باكاييف الذي كان زعيما للمعارضة.
تقول المعلومات, بأن الرئيس باكاييف , قد ظل طوال الفترة الممتدة من عام 2005م وحتى عام 2010م الحالي, يكرر نفس أخطاء الرئيس السابق عسكر أكاييف, الأمر الذي أدى إلى تزايد المعارضة السياسية ضده, وأشارت المعلومات والتقارير إلى أن الأسباب التي أدت إلى احتجاجات تضمنت اتهام الرئيس باكاييف بارتكاب الآتي:
• التحيز المفتوح لصالح إثنية الكرغيزقرغيزستان التي ينتمي إليها الرئيس باكاييف , وعلى وجه الخصوص فيما يتعلق بمنحهم المزايا الاقتصادية والسياسية والمناصب الرئيسية.
• تزايد الفساد المالي والسياسي بمعدلات غير مسبوقة.
• فشل الخطة الاقتصادية, والعجز عن تحقيق أي تقدم في مجال التنمية.
• تزايد معدلات التضخم بأرقام كبيرة, بما أدى إلى زيادة الأسعار وانخفاض الأجور وتدهور مستوى المعيشة.
• تزايد فرض القيود على الحريات السياسية العامة والخاصة.
أشارت التقارير إلى أن الزعيمة السياسية روزا أوتونباييف هي التي تصدت لقيادة المعارضة والحركة الاحتجاجية, وأكدت التقارير بأن الزعيمة روزا أوتونباييف هي المسيطرة الآن على مقاليد الأمور السياسية في العاصمة القرغيزية بشكيك.
الحسابات الاستراتيجية الجديدة: تداعيات التغيير القرغيزي إلى أين؟
ظلت قرغيزستان تمثل أحد أهم دول آسيا الوسطى لجهة القيمة الاستراتيجية, وفي هذا الخصوص, فقد شهدت الواحد وعشرين عاما الماضية التي أعقبت استقلال قرغيزستان, صراعا دوليا تزايدت وتائره على خلفية تسابق القوى الدولية والإقليمية من أجل فرض النفوذ على منطقة آسيا الوسطى, ومن أبرز المعالم الدالة على ذلك:
• سعي الولايات المتحدة الأميركية إلى التمركز في بلدان آسيا الوسطى, عن طريق توقيع الاتفاقيات المتعلقة بالتعاون العسكري والاقتصادي مع هذه الدول.
• سعي الصين إلى التعاون في المجالات الاقتصادية والعسكرية مع دول آسيا الوسطى, بما يؤمن إبعاد هذه الدول عن شبح النفوذ الأميركي.
• سعي روسيا إلى بناء الروابط واستخدام الوسائل السياسية والاقتصادية والاجتماعية إضافة إلى علاقات الماضي السوفييتي, بما يؤمن ربط دول آسيا الوسطى بالدولة الروسية, و تأمين إبعاد شبح النفوذ الأميركي عن هذه المنطقة.
على خلفية صراع القوى الكبرى حول آسيا الوسطى, تشكلت المزيد من النخب السياسية في بلدان آسيا الوسطى, وفي الوقت الذي سعت فيه العديد من هذه النخب لجهة الرهان على إبقاء منطقة آسيا الوسطى بعيدا عن النفوذ الأجنبي الخارجي وتحديدا نفوذ الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد الأوروبي, فقد سعت نخب أخرى باتجاه الرهان على التحالف وتعزيز الروابط مع الولايات المتحدة الأميركية وبلدان الاتحاد الأوروبي.
تقول المعلومات والتقارير بأن قرغيزستان تمثل واحدة من أكثر دول آسيا الوسطى إثارة للاهتمام, وذلك بسبب موقف قرغيزستان المزدوج, فهي تستضيف في وقت واحد قاعدة عسكرية أميركية, وقاعدة عسكرية روسية, وفي نفس الوقت فهي عضو في منظمة كومنولث الدولية المستقلة جنبا إلى جنب مع روسيا, إضافة إلى ذلك فهي عضو في منظمة تعاون شنغهاي, التي تمثل حلفا عسكريا يضم الصين وروسيا إضافة إلى دول آسيا الوسطى الأخرى, وفي هذا الخصوص يقول الخبراء بأن وضع قرغيزستان سوف يكون مثيرا للاهتمام إذا حدثت مواجهة روسية-أميركية, وذلك لأن الصراع سوف يندلع داخل قرغيزستان نفسها, وتحديدا بين القاعدة العسكرية الأميركية والقاعدة العسكرية الروسية.
استطاعت الاحتجاجات الشعبية المنظمة العنيفة التي اندلعت أن تطيح بنظام الرئيس كورمان باكاييف , وصعود الزعيمة روزا أوتوناييف, والتي لا تعتبر من أبرز زعماء الثورة الملونة التي حدثت في عام 2005م وحسب, وإنما من أبرز الزعماء المرتبطين بعلاقات وثيقة مع الولايات المتحدة الأميركية, وبريطانيا, وفي هذا الخصوص فقد أثار صعود الزعيمة روزا أوتوناييف المزيد من الشكوك في أوساط دول آسيا الوسطى والصين وروسيا, من احتمالات أن تتوجه السياسة في قرغيزستان باتجاه بناء وتفعيل الروابط العسكرية-الأمنية مع أميركا وحلفاءها الغربيين, بما يمكن أن يجعل من قرغيزستان بمثابة إسرائيل آسيا الوسطى, ولكن, لما كان من الصعب على قرغيزستان أن تتخطى البيئة الجيو-سياسية, فمن الممكن أن تسعى الرئيسة روزا أوتونباييف إلى اعتماد سياسة معتدلة, تناصر واشنطن ضمن حدود مقبولة, خاصة وأن الانفتاح الشديد إزاء واشنطن سوف لن يجلب لنظامها سوى المعارضة المتزايدة, فالصين تسعى إلى دعم المعارضة, وروسيا سوف تحذو حذوها, إضافة إلى أن أوزبكستان سوف تسعى لتفعيل المعارضة بواسطة السكان الأوزبيك, وبرغم مساعي الرئيسة الجديدة روزا أوتونباييف إلى تطمين روسيا وأميركا بأن قرغيزستان سوف تظل متمسكة بتوازن علاقاتها مع الطرفين, فهناك توقعات تقول بأن روزا أوتونباييف سوف تقوم بتمديد استمرار وجود القاعدة العسكرية الأميركية والتي سبق وأن قرر الرئيس السابق بشكل قاطع عدم السماح بتمديد وجودها برغم مناشدة واشنطن المتزايدة إزاء ضرورة تمديد وجود هذه القاعدة لجهة دورها الهام في دعم جهود الحرب الأميركية في المسرح الأفغاني!!!