منذ ساعات الصباح الاولى لابل منذ انبلاج خيوط النور اي لحظات بعد انتهاء صلاة الفجر كان يقف طوابيرا طوابير بانتظار فتح صناديق الاقتراع الانتخابية ليدلي بصوته فيما بدا اصرار منقطع النظير على المشاركة الجماهيرية الواعية في حق تقرير المصير من خلال انتخاب ممثليه في مجلس الشورى الاسلامي في دورته التاسعة.
لم يكن الامر طبيعيا تماما وان كان في السياق العام بدا وكانه امر يغلب عليه طابع الرتابة يتكرر كل اربعة اعوام لكنه ظهر هذه المرة منحازا للتارخ العميق اكثر من انحيازه للتاريخ الحديث !

فاغلب الذين تم سؤالهم عن السبب الذي دفعهم للقدوم في هذه الساعات المبكرة من الصباح للاصطفاف في الطوابير وبعضهم في ظروف مناخية قاسية وقارصة كان يقول لك " كما الصلاة واجبة واكثرها قبولا هي تلك التي تاتي في اول وقتها فان القيام بواجب او تكليف الادلاء بالراي لابد ان يكون على هذا النحو ايضا " فيما البعض الاخر كان يضيف لك " لما كان القائد او الولي الفقيه قد افتى بضرورة القيام بهذا التكليف وفي ساعات الصباح الاولى وقبل ان يتكاسل المرء في ساعات العصر او المساء ما قد يؤدي بالمرءالى التردد في القيام بها فتفوته الفرصة فاننا حضرنا الى هنا اقتداء بولينا وقائدنا والتزاما بواجبنا الديني المقدس " !
هذا الربط الحيوي والحضاري بين صناديق الاقتراع وهي آلية حداثوية للتعبير عن الراي وممارسة ما يسمى بالديمقراطية وبين المقدس المختزن عميقا في مسلكيات وادبيات الشعب الايراني العريق ذكرتني بواقعة كتابة قصة" الشاهنامة " العريقة وان كانت الامثال تضرب ولا تقاس كما قالت العرب ففي تاريخ هجوم التتار على بلادنا العربية والمسلمة ومنها بالطبع ايران التاريخ والجغرافيا ظهر حينها عالم وفيلسوف واديب اشتهر فيما بعد كثيرا وهو ابوالقاسم الفردوسي من خلال كتابته لملحمة " الشاهنامة" والتي شرح فيها بطولات الشعب الايراني ورموزه الكبيرة انذاك بلغة الاساطير الملحمية والذي قيل فيما بعد انها نوع من الدفاع الذاتي لعالم كبير عن هوية اهل بلاد فارس الدينية والوطنية والثقافية بوجه الغزو التتاري الذي كان يحاول فيما يحاول من اهدافه محو ذاكرة شعوب المنطقة الدينية والوطنية اليوم ايضا وفي ظل ظروف يعتبرها البعض مشابهة لماجرى في ذلك التاريخ القديم فان ثمة من يعتقد بان غزوا تتاريا جديدا يحصل للمنطقة ابتداء من غزو افغانستان مرورا بالعراق وصولا الى ما نحن عليه اليوم مما يجري ضد لبنان وسوريا وفلسطين والتهديد المستمر بضرب ايران فقد قرر الشعب الايراني ان يعيد انتاج تلك الملحمة التاريخية المختزنة في ذاكرته ولكن هذه المرة بطريقة جماعية وحديثة تتناسب ووسائل العصرالمتعارفة اي عبر صناديق الاقتراع ااظهارا منه لتمسكه بهويته الوطنية والدينية باعتزاز !

والا ما معنى ان ياتي رجل عاش لمدة ثلاثين عاما في الغربة الامريكية ليدلي بصوته في انتخابات برلمانية يفترض انها عادية في العاصمة طهران ويقول انه يفعلها تلبية لنداء القائد الذي يعتز بشجاعته وحزمه في الدفاع عن الوطن!
ملاحم اخرى من التاريخ المعاصر هي الاخرى لا تقل اهمية ان لم تكن اكثر تعبيرا مما ذهبنا اليه في المقارنة الانفة الذكر استحضرها الايرانيون وهم يدلون باصواتهم في الثاني من مارس الجاري .
فمنهم من استحضر الامام الشيرازي الشهير وثورة التبغ وكيف ان جملة واحدة من الفتاوي القصيرة دفعت بكلية الشعب الايراني لمقاطعة تجارة التبغ البريطانية , وان يصل صداها الى قصر ناصر الدين شاه القاجاري ما يدفع بنسائه الى تكسير " الشيشة" وهم يرددون على اسماعه " بان من حللنا عليك حرم استعمال التبغ الانجليزي"!
فيما استحضر آخرون العلامة الكبير آية الله فضل الله نوري وهو زعيم الثورة الدستورية الشهيرة في بدايات القرن المنصرم وهي الثورة المعروفة " بالمشروطة " حيث قرر ذلك العالم الكبير يومها ان يحولها الى معركة للدفاع عن الهوية الدينية فضلا عن الوطنية جامعا في ذلك بين الحداثة والاصالة وهو ما دفع به للادلاء بقولته الشهيرة عندما عرضت عليه الحماية البريطانية رادا عليهم " ردوا العلم من حيث جاء فقد عشت سبعين عاما تحت راية الاسلام ولست مستعدا لقضاء بقية عمري تحت علم الكفر " وهكذا مات شهيدا بعد ان حوكم محاكمة ميدانية ظالمة من قبل متهورين باعوا دينهم ودنياهم للاجنبي مقابل ارتهان ارادتهم وقرارهم لصالح انتداب مقابل انتداب اخر نعم.
هكذا كان يوم الثاني من مارس ملحمة وطنية ودينية بامتياز اراد من خلالها الشعب الايراني ان يدافع بقوة عن تراث مؤسس ثورته الدينية والمعاصرة اي ثورة الخميني الكبير وعن شجاعة وحزم قائده الحالي اي الامام السيد علي الخامنئ اي وهو يقف بوجه اي محاولة جديدة لاختراق صفوف هذا الشعب العظيم كما حاول فيما عرف بالفتنة التي اعقبت انتخابات الرئاسة الماضية !
بهذه الخلفية فقط تمكن الناخبون من رد سهام الفتنة الى صدور اصحابها واسقطوا التتار الجدد تحت اقدام طوابيرهم الزاحفة الى صناديق الاقتراع بثبات الواثق من صناعة النصر !
انها اللعبة الايرانية التي يتقنونها جيدا , لعبة تحويل انا وانت الى نحن !
انها المهارة التي يتقنها الايرانيون بامتياز ايضا الا وهي ديبلوماسية حياكة السجاد الايراني البديع!
انه الشعب الايراني العاشق للاسطورة الممتدة من بحر الخزر شمالا الى خليج فارس جنوبا !
انها ايضا وايضا القدرة على استنهاض القوى والهمم في اللحظات الاخيرة من لعبة كرة القدم وتحقيق الهدف المرجح في الدقيقة تسعين!
مرة اخرى يثبت الشعب الايراني العظيم بانه شعب وفي لتراثه القومي والوطني والمقدس معا وانه الاكثر بصيرة و الاقدر من الاحزاب والفصائل والنخب المثقفة الوطنية منها والدينية , التقليدية منها والمعاصرة ,على الذود عن دينه ووطنه وبالوسائل العصرية التي لطالما تشدق بها دعاة نهاية التاريخ وانتهاء عصر الايديولوجيات عندما يقرر ان يكتب ملحمة الدفاع عن قائده ووليه وثقافته وتراثه ودينه ودنياه بوجه التتار الجدد في ملحمة استثنائية عنوانها" ولاية فقيه نامه" لايمكن لاي مراقب موضوعي الا ان يعترف بها ويذعن بالفضل والعرفان لهذا الشعب العظيم وهذه الامة الواعية التي سيسجل التاريخ ملحمتها هذه بحروف من ذهب !
محمد صادق الحسيني