الصفقة السعودية الاميركية التي ابرمت في غرف مظلمة بعيدة عن اعين الشعب اليمني، لم تكن سوى قفزة عريضة من فوق المطالب الحقيقية للثورة الشعبية ونهر الدم اليمني الذي اريق على يد ازلام صالح، وكذلك من فوق تركة صالح المشؤومة، المتخمة بالفساد والمحسوبية والفوضى والدمار والتمييز والفتن القبلية والمذهبية والظلم والاستبداد والتبعية ورهن مقدرات ومصير البلاد بالخارج.
صالح وبن علي ومبارك والقذافي
الصفقة السعودية الاميركية، المعروفة بالمبادرة الخليجية، تجاهلت امرين في غاية الاهمية، الاول المطالب الشعبية والتضحيات الجسام الذي قدمها الشعب، والثاني جرائم وفساد صالح وبطانته، والتي تجاوزت فظاعتها واتساعها، جرائم وفساد بن علي ومبارك والقذافي، بينما كان النفي والمحاكمة والقتل مصيرهم.
فيما صالح وبفضل الصفقة السعودية الامريكية ، يعيش في الولايات المتحدة كرئيس شرعي لليمن ويتمتع بالحصانة الدبلوماسية، وهي حقيقة ما انفكت المتحدثة باسم الخارجية الامريكية فكتوريا نولاند تؤكدها بمناسبة وبغيرها، ردا على مطالبة منظمة هيومن رايتس ووتش الادارة الامريكية بنزع الحصانة عن صالح المتهم بأصدار الاوامر بارتكاب انتهاكات نفذتها قواته في مدينة تعز عام 2011.
والمعروف ان قوات صالح قصفت بالاسلحة الثقيلة وفتحت النار على تظاهرة سلمية في تعز، واسفر الاعتداء، وفقا لمنظمة هيومن رايتس ووتش، عن مقتل 120 شخصا، بينهم 22 طفلا.
المرحلة الاولى من الصفقة الخليجية، ابقت تركة صالح
تحاول المبادرة السعودية الاميركية، بدفع بكل قوة الامكانيات التي سخرها ويسخرها هذا الثنائي، ان تقنع الشعب اليمني، الذي ضحى بالغالي والنفيس وقدم الالاف من الشهداء والجرحى للتخلص من صالح ونظامه، بفكرة وجود رجل مثل عبد ربه منصور هادي، على رأس السلطة في اليمن لادارة المرحلة الانتقالية التي تستمر عامين، فيما الرجل مازال ينظر اليه كذراع ايمن لصالح، وهي حقيقة يفتخر بها منصور هادي وعلى الملأ.
الانتخابات التي شهدتها اليمن ابقت على تركة صالح، ببقاء منصور هادي، فالرجل اتفقت عليه الجهات التي وراء الصفقة الخليجية مع بعض النخب السياسية اليمنية، بوصفه الرجل المناسب الذي يمتلك المؤهلات اللازمة لتفريغ المطالب الشعبية من محتواها خلال العامين القادمين، كصياغة دستور جديد وتنظيم انتخابات رئاسية وتشريعية واعادة هيكلية القوات المسلحة، التي مازال يهيمن عليها رجال صالح ومنصور هادي.
الانتخابات والتحضير لعودة صالح
لم تغلق ابواب مراكز الاقتراع بعد في اليمن حتى تجرأ البعض على البوح بما يمكن اعتباره جوانب سرية في الصفقة السعودية الامريكية للالتفاف على ثورة الشعب اليمني، ومن هؤلاء نائب وزير الاعلام اليمني عبده الجندي، الذي اعلن انه لا شيء في المبادرة الخليجية التي انتخب بموجبها منصور هادي، يمنع الرئيس علي عبدالله صالح من الترشح مجددا بعد سنتين، اي بعد انقضاء الفترة الانتقالية. بل انه ذهب الى ابعد من ذلك عندما اعلن ان صالح في طريقه الى صنعاء للعب دور سياسي مهم من خلال رئاسته لحزب المؤتمر الشعبي العام.
هذه التصريحات وغيرها الكثير، اكدت ان توجس قطاعات واسعة من ابناء الشعب اليمني، من حقيقة المبادرة السعودية الامريكية، كان توجسا في محله، وزاد من وطأة هذا التوجس الدعم الكبير الذي يتلقاه فريق صالح، الذي مازال يلقى بظله الثقيل على كل جوانب الحياة في اليمن لاسيما على الجانبين العسكري والامني، من قبل السعودية وامريكا.
المرحلة الانتقالية تحت وطأة المال السعودي والدعم الامريكي
المتتبعون للمشهد السياسي في البلدان العربية التي شهدت ثورات وانتفاضات شعبية، لايستبعدون ان يتدفق المال السعودي خلال هذين العامين الي اليمن، وان تدور عجلة الامبراطورية الاعلامية التابعة لـ آل سعود، لتبيض صفحة رجال صالح، وتسويد صفحة معارضية، بدعم امريكي، بعد ان لمس الجميع اثار تدخل هذا الثنائي في تغيير الخارطة السياسية في بعض البلدان العربية التي شهدت ثورات شعبية، مثل مصر و تونس و ليبيا.
التدخل السعودي الاميركي في امر اليمن امر واضح، حتى وصل الامر ان وصفت المعارضه صالح بانه يتصرف كمحافظ على احدى محافظات السعودية، هذا التدخل سيتضاعف بعد انتخاب منصور هادي.
السعودية تعتبر اليمن وكذلك البحرين، حديقتين خلفيتين لها، ولن تسمح بأي شكل من الاشكال، ان يقام في هذين البلدين نظامان ديمقراطيان قائمان على الارادة الشعبية والانتخابات وتداول السلطة ودستور دائم، فمجرد وجود مثل هذه الانظمة على حدود مملكة ال سعود، تعتبره الرياض السم الزعاف لنظامها الذي لايستقيم مع اي منطق سياسي او عقلي.
لكن فات الجميع وفي مقدمتهم السعودية واميركا، من ان الشعوب اذا ارادت الحياة فلابد ان يستجيب القدر، وان الشعب اليمني ليس استثناء، فهذا الشعب كان من مقدمة الشعوب التي ارادت الحياة الحرة الكريمة، بعيدا عن الذل والهوان والتبعية، ومثلما اسقط شباب وشابات اليمن صالح، رغم كل عمليات التجميل السياسية والجسدية التي اجريت له ولنظامه، فهذا الشعب قادر بحنكته السياسية و وعيه و وحدة كلمته، ان يحرق كل اوراق الثنائي السعودي الاميركي، واهونها ورقة هادي منصور.
منيب السائح / البديع