وقال العميد طيار مسعود جعفري، نائب قائد القوات الجوية للجمهورية الإسلامية الإيرانية، صباح اليوم الخميس في مقابلة مع شبكة خبر، مشيرًا إلى مرور نحو خمسة أشهر على بدء العمليات الجوية للحرب: "منذ البداية، لم نكن ننوي الحديث عن العمليات التي نفذتها القوات الجوية للجمهورية الإسلامية الإيرانية؛ لأننا نعتبر تنفيذ هذه المهام واجبًا أصيلًا علينا".
وأضاف: "لقد تدربنا على مثل هذه الأيام وكنا ملتزمين بتنفيذ هذه المهام. نؤدي هذا الواجب بكل فخر، ولم تكن لدينا أي نية للإعلان عن هذه العمليات أو الترويج لها".
وتابع العميد طيار جعفري: "قررنا أنه بعد انتهاء الحرب، إذا لزم الأمر، سنتحدث عن هذه المهام لتُسجل في تاريخ جنود الجمهورية الإسلامية الإيرانية".وفي إشارة إلى تقرير إعلامي أجنبي حول عمليات القوات الجوية للجيش خلال حرب الأربعين يومًا، قال: "أبدت وسائل الإعلام الأجنبية دهشتها من قدرة طائرة من الجيل الثالث على اختراق الطوق الدفاعي للقواعد الأمريكية في الكويت وإنجاز مهمتها بنجاح".
وأشار نائب منسق القوات الجوية للجيش إلى أنه "بالإضافة إلى هذه العملية، تم إبلاغ وحدات مختلفة من القوات الجوية بالعديد من المهام الأخرى من قبل مقر "خاتم الأنبياء (ص)" المركزي، والتي نُفذت من قواعد مختلفة واستهدفت أهدافًا متنوعة، وأُنجزت بنجاح".


مهمة خاصة لطائرتي سوخوي-24 ضد مركز القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم)
ثم أشار العميد طيار جعفري إلى إحدى أهم العمليات المخطط لها للقوات الجوية، قائلاً: "إحدى المهام التي تم التخطيط لها مسبقاً كانت تكليف طائرتين مقاتلتين من طراز سوخوي- 24 من قاعدة "الشهيد دوران" الجوية.
وأضاف: "بحسب هذه الخطة، كان من المقرر أن تقلع طائرتان مقاتلتان من طراز سوخوي-24 من شيراز وتستهدفان مركز قيادة القوات الجوية الأمريكية (سنتكوم) في المنطقة".
ووصف هذه المهمة بأنها كانت "مهمة للغاية"، قائلاً: "في الدراسات الاستخباراتية والعملياتية للقوات الجوية، تم تقييم هذه العملية منذ البداية كإحدى أصعب المهام؛ لأن الهدف كان مركز القيادة الأمريكية وأكبر قاعدة جوية اميركية في المنطقة، وهي قاعدة العديد".
وأضاف: "منظومتا باتريوت وثاد الدفاعيتان القويتان كانتا تتوليان حماية هذه القاعدة، بالإضافة إلى أن الطائرات المقاتلة الأمريكية وطائرات الحكومة القطرية كانت تقوم منذ بداية الحرب بمهام دوريات جوية قتالية فوق المنطقة على مدار الساعة وعلى ارتفاعات مختلفة."
وتابع العميد طيار جعفري: "هذه الظروف جعلت طيارينا يدركون أنهم يواجهون إحدى أصعب مهامهم، ولكن بوعي كامل، وتقبل للمخاطر الجسيمة، وبشجاعة كبيرة، تحملوا مسؤولية هذه العملية، ونجحوا عمليًا في جعل عملية تبدو مستحيلة ممكنة."
استهداف رادار العديد الاستراتيجي
وفي معرض حديثه عن صعوبات هذه العملية، قال: "كنا ندرك تمامًا قوة العدو، وقوة منظومة الدفاع، وحجم المعدات المنتشرة في المنطقة.
ومن جهة أخرى، كانت هناك حدود مائية بين إيران وقاعدة العديد، وكان على الطائرتين المقاتلتين قطع عرض الخليج الفارسي بالكامل على ارتفاع منخفض جدًا."
وأضاف : بعد أيام قليلة من هذه العملية، أُعلن عن استهداف رادار بعيد المدى يصل مداه إلى خمسة آلاف كيلومتر في قاعدة العديد.
وأوضح: وفقًا لدراسات استخبارات القوات الجوية، كان هذا الرادار يغطي جزءًا كبيرًا من المنطقة، بل إن الرادارات التكتيكية وأنظمة باتريوت كانت تراقب الخليج الفارسي بأكمله وجنوب البلاد حتى شيراز، بينما كان للرادار بعيد المدى تغطية أوسع بكثير، إذ كان يراقب حتى المناطق الشمالية من البلاد.
التحليق على ارتفاع أقل من 100 قدم فوق الخليج الفارسي
وتابع العميد طيار جعفري شرح تفاصيل العملية، قائلاً: في الجزء الأول من مسار الطيران، تمكنت المقاتلتان من استخدام التضاريس الطبيعية، كالتلال والجبال والوديان، للاختباء من أنظمة الرادار حتى وصلتا إلى ساحل الخليج الفارسي، ولكن بعد دخولهما منطقة الخليج الفارسي، تغيرت الظروف تمامًا.
وأضاف: "منذ لحظة التحليق فوق الماء وحتى الوصول إلى قطر، لم يعد بالإمكان استخدام العوائق الطبيعية. ووفقًا للحسابات، حلّق طيارونا على ارتفاع أقل من 100 قدم، أي ما يعادل حوالي 30 مترًا فوق مستوى سطح البحر.
كان هذا النوع من الطيران صعبًا ومعقدًا للغاية، لكن الطيارين تمكنوا من الوصول إلى الهدف وإتمام المهمة بنجاح".
وتابع : "على الرغم من التحليق على هذا الارتفاع المنخفض، كان هناك خطر من اكتشافنا من قبل مختلف طبقات الدفاع الجوي المعادية، فضلًا عن المقاتلات التي كانت تقوم بمهمة الدورية الجوية القتالية".
وأضاف: "كان الفارق التكنولوجي بين معدات الجانبين كبيرًا جدًا. كانت طائراتنا من الجيل الثالث على الأكثر، بينما كان الجانب الآخر يستخدم مقاتلات من الجيل الرابع المتقدم (4+) والجيل الرابع المتقدم جدًا (4++)، بل وحتى الجيل الخامس.
ومع ذلك، لم يمنع هذا الكم الهائل من أنظمة الدفاع الأرضي والجوي، والفارق التكنولوجي الكبير، طيارينا من التراجع عن المهمة، بل تقبلوا جميعًا مسؤولية هذه العملية بمعنويات عالية وشجاعة وبسالة، وبفضل الله، أنجزوها بنجاح.
قد يغير جزء من ألف من الثانية مصير الطيارين
ردًا على سؤال حول مصير طاقم الطائرة المقاتلة المستهدفة، صرح العميد طيار جعفري: "إن معايير الخروج الطارئ من طائرة مستهدفة معقدة للغاية، وحتى جزء من ألف من الثانية قد يحدد مصيرًا مختلفًا لطياري قمرة القيادة الأمامية والخلفية، أو للطيارين الأيمن والأيسر في طائرة سوخوي-24 المقاتلة".
وأضاف: "لا تؤكد شهادة الشهيد كاظمي بأي حال من الأحوال أن الأمر نفسه قد حدث للطيار الآخر في قمرة القيادة. حتى في زمن السلم، شهدنا حالات قفز فيها طياران من طائرة بفارق زمني لا يتجاوز جزءًا من مئة من الثانية، فنجا أحدهما واستشهد الآخر؛ لذا، لا يضمن هذا مصير الطيارين الآخرين."
لا تزال المشاورات جارية لتحديد مصير الطيارين الثلاثة الآخرين من طراز سوخوي-24
وقال بشأن مصير الطيارين الثلاثة الآخرين في العملية: "باستثناء الشهيد كاظمي، الذي عاد جثمانه إلى البلاد بعد فترة من استهداف القاعدة، لا يزال مصير الطيارين الثلاثة الآخرين غير معروف بدقة."
وتابع: "المعلومات المتوفرة غير مكتملة وغير شفافة حتى الآن، ولم نحصل على معلومات دقيقة من مصادر الاستخبارات، لكن وزارة الخارجية وأجهزة استخبارات الجيش وهيئة الأركان العامة للقوات المسلحة تجري المشاورات والمتابعات اللازمة للحصول على معلومات أدقّ عن هؤلاء الطيارين".
وأعرب العميد طيار جعفري عن أمله قائلاً: "نتمنى عودة هؤلاء الأبطال إلى الوطن وعائلاتهم سالمين غانمين".
مهمة على خطى الشهيدين بابائي ودوران
وفي معرض حديثه عن شجاعة طياري عملية الهجوم على قاعدة العديد خلال حرب الأربعين يومًا، قال العميد طيار جعفري: لقد قام هؤلاء الأبطال بعمل عظيم، يشبه ما قام به الشهيد عباس بابائي عام ١٩٨٧.
فرغم أن الشهيد بابائي كان نائب قائد القوات الجوية لشؤون العمليات ، إلا أنه جلس بنفسه في قمرة القيادة ونفذ مهمة عملياتية فوق العراق، ولم يمنعه منصبه ومسؤوليته ورتبته العسكرية من المشاركة في العملية.
وأضاف: كانت هذه العملية مشابهة أيضًا لمهمة الشهيد عباس دوران في بعض الجوانب. فقد نفذ الشهيد دوران، برفقة الراحل إسكندري، مهمة مهاجمة مقر قمة حركة عدم الانحياز في بغداد، وهي مهمة بالغة الخطورة.
في الوقت نفسه، قال العميد طيار جعفري: "مع ذلك، أعتقد أن الطوق الدفاعي لبغداد آنذاك كان أضعف بكثير من الطوق الدفاعي الذي يحمي قاعدة العديد اليوم".
سنوات من المراقبة الاستخباراتية للقواعد الأمريكية في المنطقة
رداً على سؤال حول سبب اختيار قاعدة العديد هدفاً لهذه العملية، صرّح العميد طيار جعفري: "مع توسع القواعد العسكرية الأمريكية، لا سيما في المجال الجوي، في دول المنطقة، توسعت أنشطتنا الاستخباراتية بالتوازي".
وأضاف: "في الإمارات وقطر والكويت والبحرين، حيث يتمركز الأسطول الخامس للبحرية الأمريكية، استمر العمل الاستخباراتي مع توسع هذه القواعد، وقامت القوات الجوية، بالتعاون مع أجهزة الاستخبارات التابعة لهيئة الأركان العامة للقوات المسلحة وجيش الجمهورية الإسلامية الإيرانية، بمراقبة هذه المراكز باستمرار ووضع خطط لمثل هذه الأيام".
وتابع : "كانت قواعد العديد، وعريفجان، وأربيل، وحرير، والظفرة من بين القواعد التي خضعت للمراقبة المستمرة.
وقد توسعت هذه المراكز، جواً وبحراً، تدريجياً في المنطقة، وكنا نعلم جيداً أن الهدف الرئيسي من إنشاء هذه القواعد وتوسيعها هو الجمهورية الإسلامية الإيرانية".
وأوضح قائلاً: "بناءً على ذلك، تم إنجاز العمل الاستخباراتي اللازم، ووضع خطط لتنفيذ المهام المحتملة. وكلما أبلغت هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة القوات الجوية بمهمة، تم تنفيذها، وكانت عملية العديد إحدى تلك المهام".
سنوات من العقوبات حوّلت الطيران بدون نظام تحديد المواقع العالمي (GPS) إلى مهارة عملياتية
وصرح العميد طيار جعفري عن كيفية تجاوز مقاتلات سو-24 لأنظمة مراقبة العدو: "خلال سنوات العقوبات الطويلة، ونظراً لعدم قدرتنا على استخدام العديد من أحدث المعدات والتقنيات، تعلم طيارو القوات الجوية للجيش تنفيذ مهامهم دون الاعتماد على الأنظمة التقليدية".
وأضاف: "لقد تدرب طيارونا لسنوات على العمل بدون نظام تحديد المواقع العالمي (GPS) أو نظام الملاحة بالقصور الذاتي (INS)، معتمدين فقط على قراءة الخرائط وأساليب توجيه الطائرات التقليدية، ولعل هذا كان أحد عوامل نجاحنا في هذه المهمة".وتابع: "لم تكن طائرتانا مزودة بأي إشارات خارجية، بما في ذلك الاتصالات اللاسلكية، مما قلل من احتمالية رصدهما".
لم يتوقع العدو أن تُنفذ القوات الجوية للجيش مثل هذه العملية
وفي إشارة إلى مفاجأة العدو في مواجهة عمليات القوات الجوية للجيش المختلفة، قال العميد طيار جعفري: "على الأرجح، في الأيام الأولى للحرب، لم يتوقع الأمريكيون أن تتحلى القوات الجوية للجمهورية الإسلامية الإيرانية بالشجاعة لتنفيذ مثل هذه المهمة، وأن تتمكن المقاتلات الإيرانية من الاقتراب إلى هذا الحد من الأهداف".
وأضاف: "لهذا السبب، عندما استُهدفت قاعدة عريفجان في الكويت، وُضعت أنظمة دفاعهم في حالة تأهب قصوى".
وتابع قائلاً: في طريق العودة، استُهدفت ثلاث طائرات مقاتلة أمريكية من طراز إف-15، كانت على الأرجح تنوي الهبوط في السعودية، بنيران صديقة من أنظمة باتريوت والدفاعات الجوية الكويتية. وأكد العميد طيار جعفري: يبدو أن العدو لم يتوقع أن يجرؤ أحد على الاقتراب من هذه القواعد، وهذا ما أدى إلى نجاح هذه المهمات، بفضل الله.