لم تكن الأيام الثلاثة الأخيرة عادية بالنسبة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب. فبينما كان يرفع سقف التهديد ضد إيران، متحدثًا عن “ضربة كبرى” ستدمر قدراتها وتحولها إلى ركام، كان العالم يترقب ما إذا كانت واشنطن على وشك إشعال مواجهة جديدة في الشرق الأوسط. لكن، وكما حدث في محطات سابقة، انتهت التهديدات دون أن يتحول أي منها إلى فعل، لتبدأ رواية جديدة يبرر بها الرئيس الأمريكي تراجعه.
ترامب أعلن أن الإيرانيين تواصلوا معه وطلبوا عدم تنفيذ الضربة، وأضاف أن حلفاء تدخلوا أيضًا، وأنه قرر التراجع، مع تأكيده أنه “ما زال مستعدًا” لتوجيه الضربة في أي وقت. هذا الخطاب لم يكن جديدًا على المتابعين، لكنه هذه المرة قوبل برد فعل مختلف داخل الولايات المتحدة نفسها.
في الوقت الذي كان فيه بعض الإعلام العربي يتحدث عن أن إيران ستعود إلى “العصر الحجري”، كانت طهران تتحدث عن قواعد أمريكية وأهداف استراتيجية في المنطقة ستكون أولى ساحات الرد إذا اندلعت الحرب. وبين هذين الخطابين، جاء الإعلام الأمريكي ليختصر المشهد كله بتعبير ساخر: “ريح النسر”؛ أي تهديد لا يُسمع له صوت، ولا تُشم له رائحة، ولا يترك أي أثر.
هذا الوصف لم يكن مجرد سخرية لغوية، بل عكس حالة متزايدة من التشكيك داخل وسائل الإعلام الأمريكية في مصداقية الرئيس وقدرته على تحويل تهديداته إلى قرارات فعلية. وأجرت وسائل إعلام أمريكية مقابلات مع عدد من أعضاء الكونغرس الجمهوريين، عبّر بعضهم عن قلقهم من طريقة إدارة ترامب للأزمات، معتبرين أن سلوكه قد يشكل خطرًا على الولايات المتحدة.
وفي خضم هذا الجدل، عاد الحديث في الأوساط السياسية والإعلامية عن إمكانية اللجوء إلى الآليات الدستورية الخاصة بعزل الرئيس إذا اعتُبر غير قادر على أداء مهامه أو إذا شكل خطرًا على الدولة، وهو نقاش يتكرر كلما تصاعدت الخلافات حول إدارة البيت الأبيض، وإن كان تفعيل هذه الآليات يتطلب إجراءات دستورية معقدة ولا يعني بالضرورة قرب عزل الرئيس.
وفي المقابل، بدأ اسم نائب الرئيس جيه دي فانس يبرز أكثر في النقاشات السياسية باعتباره الشخصية التي قد تتحمل مسؤولية أكبر إذا تغير المشهد السياسي داخل الإدارة الأمريكية. ويبدو أن فانس يدرك أن أي طموح مستقبلي للرئاسة سيفرض عليه رسم ملامح سياسية مستقلة وإثبات قدرته على إدارة الملفات الكبرى.
أما في ما يتعلق بإيران، فيرى عدد من المعلقين الأمريكيين أن تحركات ترامب تبدو مرتبطة إلى حد كبير بالتطورات الإقليمية وبحسابات الحليف الإسرائيلي، وهو ما يغذي الجدل داخل الولايات المتحدة حول مدى استقلالية القرار الأمريكي في هذا الملف.
لكن بعيدًا عن لغة السياسة، فإن المواطن الأمريكي ينظر إلى الأزمة من زاوية مختلفة. فارتفاع أسعار الوقود، وزيادة تكاليف المعيشة، والقلق من أي حرب جديدة في الشرق الأوسط، كلها عوامل تجعل قطاعًا واسعًا من الأمريكيين أقل حماسًا لسياسة التهديد والتصعيد.
ولهذا، فإن وصف “ريح النسر” لا يعكس فقط نظرة الإعلام الأمريكي إلى تصريحات ترامب، بل يعكس أيضًا شعورًا متزايدًا لدى جزء من الرأي العام بأن التهديدات المتكررة التي لا تُنفذ أصبحت تفقد تأثيرها السياسي، وأن الأمريكيين لا يريدون أن يبقوا أسرى خطاب يرفع منسوب التوتر، بينما يدفعون هم كلفة ذلك في حياتهم اليومية.