من الحرب إلى التفاهم: كيف انتقلت واشنطن من شعار الاستسلام إلى منطق التسوية؟

الجمعة ٢٩ مايو ٢٠٢٦
٠٢:٤٧ بتوقيت غرينتش
من الحرب إلى التفاهم: كيف انتقلت واشنطن من شعار الاستسلام إلى منطق التسوية؟ كتب الصحفي و الكاتب "أكرم شمص" مقالا لموقع قناة العالم الإخبارية تطرق فيه الى التحول الذي طرأ على استراتيجية النهج الذي تتبناه الادارة الاميركية في سرديتها وأهدافها من رفعها شعار الاستسلام وإسقاط النظام وتفكيك البرنامج النووي الى منطق التسوية وإمضاء مذكرة تفاهم لفتح مضيق هرمز مستدلا بالمنطق التفاوضي الحالي بين الولايات المتحدة والجمهورية الاسلامية في ايران والذي جاء مباشرة بعد منطق الغدر المفاجئ والتصعيد العسكري الغادر الذي كسر جدار العقلانية التفاوضية وللمرة الثانية على التوالي.. وإليكم نص المقال:

أولًا: منطق النتائج لا منطق الشعارات

في الحروب الكبرى لا تُقاس النتائج بحجم النيران التي أُطلقت، بل بمقدار الأهداف التي تحققت. ومن هذه الزاوية يمكن قراءة المسار الذي تسلكه المفاوضات الجارية بين الولايات المتحدة وإيران. فبعد أشهر من التصعيد العسكري والحشود الأميركية والتهديدات المتبادلة، لم يعد الحديث يدور عن إسقاط النظام الإيراني أو تفكيك برنامجه النووي بالكامل، بل عن مذكرة تفاهم، وفتح مضيق هرمز، ومفاوضات تمتد ستين يومًا، وضمانات متبادلة تمنع العودة إلى الحرب.

ثانيًا: نصف الحقيقة الأميركية

المشكلة في كثير من التسريبات الأميركية، وخصوصًا تلك التي تمر عبر وسائل الإعلام القريبة من دوائر القرار في واشنطن، أنها لا تكذب بالكامل لكنها لا تقول الحقيقة كاملة أيضًا. فهي تنتقي الجزء الذي يخدم السردية الأميركية، وتُسقط ما يمكن أن يُظهر حجم التراجع أو التحول في موازين القوى. ولذلك فإن ما ينشره الإعلام الأميركي يجب أن يُقرأ باعتباره جزءًا من إدارة المعركة السياسية والنفسية، لا باعتباره كشفًا كاملًا لما يجري خلف الكواليس.

ثالثًا: التفاهم يتجاوز الملف النووي

تكشف المعلومات المتداولة حول مذكرة التفاهم أن جوهر النقاش تجاوز الملف النووي ليشمل إعادة تنظيم المشهد الإقليمي بأكمله. فالموضوع لم يعد يتعلق بنسبة تخصيب اليورانيوم فقط، بل بمضيق هرمز، والعقوبات الاقتصادية، والأموال الإيرانية المجمدة، والحشود العسكرية الأميركية، ومستقبل الاستقرار في المنطقة، ولبنان بصورة خاصة.

رابعًا: واشنطن تبحث عن مخرج لا عن انتصار

اللافت أن جوهر التفاهم لا يقوم على فكرة "استسلام إيران" كما حاول الخطاب الأميركي تسويقه، بل على إدارة متبادلة للأزمة. فالإدارة الأميركية اكتشفت أن الذهاب إلى مواجهة واسعة يحمل كلفة استراتيجية واقتصادية هائلة، خصوصًا مع تهديد أسواق الطاقة العالمية واحتمال توسع الحرب إلى ساحات متعددة. لذلك انتقلت واشنطن من مشروع الحسم العسكري إلى مشروع الاحتواء السياسي المنظم.

خامسًا: إيران تفاوض من موقع تثبيت الوقائع

في المقابل، تبدو إيران وكأنها تفاوض من موقع تثبيت الوقائع لا من موقع التراجع. فهي لا تتحدث عن وقف إطلاق نار مؤقت، بل عن إنهاء الحرب نفسها. والفرق بين المفهومين كبير، لأن وقف النار يجمّد المواجهة، بينما إنهاء الحرب يؤسس لقواعد اشتباك جديدة تعترف بالوقائع التي فرضتها نتائج الميدان. ومن هنا يمكن فهم إصرار طهران على معالجة جذور الأزمة بدل الاكتفاء بهدنة مؤقتة تسمح للخصوم بإعادة التموضع.

سادسًا: أزمة ترامب الداخلية

تواجه إدارة ترامب ضغوطًا متناقضة. فالصقور داخل الحزب الجمهوري يطالبون باستكمال المواجهة وعدم تقديم تنازلات، بينما يدرك فريق آخر أن استمرار الحرب يهدد الاقتصاد الأميركي وأسعار الطاقة وفرص الجمهوريين في الانتخابات المقبلة. وهنا تكمن المفارقة؛ فكلما ازدادت حاجة واشنطن إلى إنهاء الأزمة، ازدادت قدرة إيران على التمسك بشروطها السياسية والأمنية.

سابعًا: من الاستسلام غير المشروط إلى التفاوض المشروط

أحد أهم مؤشرات التحول هو الانتقال الأميركي من خطاب "الاستسلام غير المشروط" إلى الحديث عن "اتفاق مؤقت" ومفاوضات جديدة. وهذا التحول يعكس حقيقة أن الأهداف التي طُرحت في بداية الحرب لم تعد قابلة للتحقيق بالشكل الذي أُعلن عنه. فالحروب لا تُقاس بالخطابات، بل بالنتائج، والنتائج تشير إلى انتقال الصراع من مرحلة الحسم إلى مرحلة إدارة التوازنات.

ثامنًا: مضيق هرمز ومعادلة النفوذ الجديدة

لا يتعلق ملف مضيق هرمز بحرية الملاحة فقط، بل بطبيعة النفوذ في الخليج. فإعادة فتح المضيق تعني عمليًا اعترافًا ضمنيًا بأن إيران أصبحت طرفًا أساسيًا في إدارة الأمن البحري في المنطقة. ولذلك فإن واشنطن لا تتفاوض على ممر مائي فحسب، بل على شكل التوازنات الإقليمية التي ستنشأ بعد الحرب.

تاسعًا: الأموال المجمدة وسقوط سياسة الضغط الأقصى

يحمل ملف الأموال الإيرانية المجمدة دلالة سياسية تتجاوز البعد المالي. فالإفراج التدريجي عنها يعكس اعترافًا ضمنيًا بأن سياسة العقوبات القصوى التي بدأت عام 2018 لم تحقق أهدافها الاستراتيجية. ولهذا بدأت واشنطن الانتقال من منطق الخنق الاقتصادي إلى منطق المقايضة السياسية والأمنية.

عاشرًا: النووي من التفكيك إلى التنظيم

أما في الملف النووي، فقد انتقل النقاش من فكرة القضاء على البرنامج النووي الإيراني إلى إدارة هذا البرنامج ضمن تفاهمات وضوابط محددة. فالمسألة لم تعد إزالة القدرات النووية، بل تنظيمها ومراقبتها وتحديد سقوفها الزمنية، وهو ما يعكس انخفاض سقف المطالب الأميركية مقارنة بما كان مطروحًا في بداية المواجهة.

حادي عشر: لبنان بين الميدان والتفاوض

يحضر لبنان في قلب هذه المعادلة. فالتصعيد الصهيوني الأخير لا يمكن فصله عن أجواء التفاوض، بل يبدو محاولة لتحسين الشروط السياسية قبل تثبيت أي تفاهم إقليمي. لكن المشكلة بالنسبة لنتنياهو أن هامش المناورة بات أضيق مما كان عليه سابقًا، خصوصًا إذا قررت واشنطن أن أولوية المرحلة هي تثبيت التهدئة الإقليمية لا توسيع الحرب.

ثاني عشر: الضمانات... عقدة التفاهم الأساسية

تبقى العقدة الرئيسية مرتبطة بالثقة. فإيران لا تنظر إلى الاتفاق بحد ذاته كضمانة كافية، بل تطالب بضمانات دولية إضافية لأنها تدرك أن أي إدارة أميركية مستقبلية قد تنقلب على التفاهم كما حدث مع الاتفاق النووي السابق. ولذلك فإن معركة الضمانات لا تقل أهمية عن معركة البنود نفسها.

الخلاصة: من يكتب شروط ما بعد الحرب؟

في المحصلة، تبدو المنطقة أمام مرحلة انتقالية جديدة. فالحرب لم تحقق الأهداف التي رُسمت لها، والتسوية لم تنضج بالكامل بعد. وبين هذين المسارين تتشكل معادلة جديدة عنوانها إدارة النفوذ لا إلغاء الخصوم، والتفاهم على قواعد الاشتباك لا فرض الاستسلام. ولذلك فإن السؤال الحقيقي لم يعد: من انتصر في الحرب؟ بل: من استطاع أن يفرض شروطه على طاولة ما بعد الحرب؟

بقلم: الصحفي و الكاتب د. أكرم شمص

0% ...

آخرالاخبار

كوشنر وملادينوف يتوجهان الى الاراضي المحتلة لبحث خطة غزة


5 انفجارات قوية تهز أربيل نتيجة هجمات بطائرات مسيّرة


مندوب الصين في مجلس الأمن: يجب احترام سيادة اليمن ومعالجة أزمته ضمن سياق خفض التصعيد الإقليمي الشامل


واشنطن بوست: القيمة المحتملة لخسائر طائرات "MQ-9 Reaper" الأخيرة تتجاوز 1.3 مليار دولار


قصف مدفعي إسرائيلي يستهدف محيط تلة علي الطاهر في جنوب لبنان


فرنسا.. هجوم إلكتروني يسفر عن تسريب بيانات 80 ألف شخص


هزة ارضية في محافظة كركوك والسليمانية شمال العراق


تشاك شومر عن الحصار البحري لإيران: يجب فصل بيت هيغسيت فورًا، لأنه يدفع البحارة لدفع الثمن بطريقة مروعة لا تُصدَّق


مصادر لبنانية: الاحتلال الاسرائيلي ينفذ تفجيرًا في منطقة المشاع بين المنصوري ومجدل زون جنوب لبنان


قائد بحرية الحرس الثوري: الحقيقة في الميدان، لا في التصريحات الأمريكية


الأكثر مشاهدة

إيران تعزز حضورها الآسيوي بثلاث ميداليات في رفع الأثقال


مباحثات إيرانية باكستانية لبحث التعاون والتطورات الإقليمية


"أ ب" نقلًا عن مسؤول أمريكي: الولايات المتحدة تتوقع إتمام انسحابها من العراق بحلول 30 سبتمبر


مصادر لبنانية: العدو الإسرائيلي ينفذ تفجيرا في مدينة الخيام جنوب لبنان


حماس: ندين ما قام به جيش العدو اليوم من استهداف لعدد من المواطنين في شمال قطاع غزة وجنوبه ما أسفر عن ارتقاء شهيد وإصابة عدد من الجرحى


حماس: العدوان الصهيوني اليوم يؤكد إصرار العدو على إفشال مساعي الوسطاء والضامنين و"مجلس السلام" للوصول إلى اتفاق يحقق وقفا مستداما لإطلاق النار


مكتب شرطة مقاطعة بيل: وفاة شخصين إثر تحطم مروحية عسكرية أميركية من طراز أباتشي بالقرب من سالادو، تكساس


هيئة إدارة مضيق هرمز الإيرانية: لن يعاد فتح مضيق هرمز حتى تقبل شروط إيران


مصادر لبنانية: طيران الاحتلال المسير يلقي قنابل متفجرة على تلة علي الطاهر، في جنوب لبنان


مصادر سورية: دورية تابعة للاحتلال الإسرائيلي تتوغل في بلدة الرفيد بريف القنيطرة الجنوبي


المتحدث باسم وزارة الخارجية الايرانية إسماعيل بقائي: سفينة أجنبية تسببت بتلوث نفطي على سواحل جزيرة قشم