عاجل:

ربيع دمشق... خريف أعدائها

الثلاثاء ٠٥ سبتمبر ٢٠١٧
٠٥:١٦ بتوقيت غرينتش
ربيع دمشق... خريف أعدائها وميض قويّ يصعق عينيّ سائق السيارة المسرعة على أوتوستراد المزّة بعد منتصف الليل. الكاميرا التقطت لوحة السيّارة، وصباحاً تُسجّل المخالفة في "فرع المرور". حركة السير خفيفة، بعد نهارٍ طويل أمضاه السوريون في شوارع دمشق وأسواقها، يستعدّون لعطلة عيد الأضحى.

العالم - سوريا

شرطيّ السير في ساحة الأمويين مثابر على عمله، والساحة المضاءة تسمح له برؤية المخالفين من بعيد، فيكمن لمن يتحدّث على الهاتف أثناء القيادة، ومن يُهمل حزام الأمان، ومن يظنّ أن فوق رأسه "ريشة" ولا يريد الالتزام بقرار نزع الزجاج العازل من دون ترخيص. وهو، لا يأبه إلّا لسلطة الدولة، فيُحرّر المحاضر ولا يناقش، وليعترض المعترضون عند من يدعمهم... إن وُجد من يجرؤ. هيبة الدولة فوق كلّ اعتبار.

في الطريق من ميسلون إلى قلب العاصمة السورية، تبدو من بعيد بلدات ريف دمشق الجنوبي الغربي، المعضميّة وداريا وعرطوز والجديدة وأطراف خان الشيح، مضاءة رغم الدمار والحرب والرّكام. هناك ما يكفي من الكهرباء، بعد سبع سنوات حرب، للقول إن الإرادة أقوى من الظروف، وأمضى من التآمر، وأكثر جذرية من الإرهاب. شرطيّ السير والكهرباء وعمّال النظافة والحدائق التي عادت إليها روحها، أبسط مظاهر الدولة الراسخة في سوريا.

فاضلة المدن

خير الغوطة يعود دفقاً إلى دمشق. في سوق "التنابل" في الشعلان، البلاد تعجّ على طاولات الباعة. خُضَر من الغوطة وتين من جبل الشيخ وعنب من السويداء وبطيخ من درعا، وفاكهة صيفية دافئة من الساحل، وفستق حلبي من حماة وحلب. ألوف مؤلّفة من السوريين والدمشقيين في المدينة التي تنبض بأكثر من ستّة ملايين نسمة، يجوبون الشوارع، من ساحة عرنوس والسبع بحرات والحريقة والشعلان، إلى مدحت باشا وسوق الحميدية، إلى حي الميدان وساحة المرجة وساحة الجلاء.

قذيفة "الهاون" تركت وسماً على أرض الزاروب قرب باب توما. حفرة صغيرة وآثار شظايا. مخالب وحش حَفرت في حجر الأرضية العتيقة قبل أكثر من عام. استشهد هنا خمسة مدنيين، وأكمل بعدها الآخرون توقهم إلى الحياة. الليل في المدينة القديمة طقسٌ من الفرح، لم يرهبه خوف ولا موت. حانات ومطاعم وزوايا سهر وموسيقى تضجّ بزوارها. وآخرون في المدينة يحتفلون بالعيد على طريقتهم، يذبحون الأضاحي في الشوارع، ويوزّعون على المحتاجين... وما أكثرهم.

ألم يتوقّع المشاركون قبل أسبوع، في معرض دمشق الدولي، انتحارياً يغتالهم أو قذيفة هاون تصطادهم، بتوقيع إرهابيين في عين ترما أو عربين القريبة؟ بلى. توقّعوا. لكنّهم ذهبوا، بالسيارات والشاحنات والدراجات وسيراً على الأقدام.

ثمّة ما تغيّر هنا. في العام الماضي، عطشت دمشق يوم هدّد الإرهابيون بتفجير نبع بردى، وقُطع عنها النفط في عزّ البرد. عيون الناس فيها تعب ألفي عام، وعذابات أحبائهم المفقودين وبيوت مهدّمة وتهجير من أقاصي البلاد وقلبها، جراح لا تضمدها أزمنة، فقراء ومعوزون، وسوريون بعضهم ينامون جوعى... (ومن قال إن سوريّاً واحداً قد يجوع يوماً؟). رغم ذلك، حزن المدينة تخدّره الابتسامات، ولهفة الناس بعضهم على بعض. دمشق ليست المدينة الفاضلة، لكنّها فاضلة المدن.

جوبر

أصوات بضع قذائف مدفعية تنطلق من قاسيون، تقضّ هدوء المدينة في صباح العيد. الغبار يرتفع في جوبر الملاصقة لساحة العباسيين، ثم يدوّي الصوت مجدداً، وتطير الحمامات الممشحة واليمامات البنية، صوب المدينة الآمنة. الجيش، في العام الماضي، حفر خندقاً بعمق خمسين متراً وعرض أربعة أمتار حول تماس جوبر مع العاصمة، بقِطْرٍ من حوالى 3 كلم، وأغرقه بالمياه. إنها الطريقة الوحيدة، لقطع أنفاق الإرهابيين نحو العاصمة. وهم لجأوا إلى الهاون والصواريخ لتهديد العاصمة، باسم الحرية. الآن، انتهى التهديد من غالبية الأحياء الجنوبية، سوى جوبر وعين ترما شرقاً، ومخيم اليرموك والحجر الأسود جنوباً. لكن التسوية فى جوبر معلّقة، كيف؟ ولماذا؟ القطريون؟ السعوديون؟ أميركا؟ لا وضوح، المهم أن تبقى ورقة ضغط على دمشق، ولو يائسة.

الجيش الآن ينفّذ عملية عسكرية في الحي، ويسيطر على كتل وأبنية، متقدماً في عمق جوبر وعين ترما. والإرهابيون في جوبر يعاندون "جهاز المناعة"، في جرح يتعافى كل يوم ويتقلّص الاحمرار حوله.

طمأنينة لا "عنجهية"

باكراً، في صباح العيد، اتخذت الأجهزة الأمنية إجراءات مشدّدة في محيط مساجد العاصمة البارزة. بدا كأن الرئيس بشّار الأسد سيصلّي صلاة العيد في أحدها. قرّر الرئيس أن يسجد خلف إمامٍ في مسجد في قارة، أبرز قرى القلمون الغربي، معلناً اطمئنانه الكامل للحدود اللبنانية ـــ السورية. لم تكن قارة أصلاً بلدة للمسلّحين، احتلوها أوّلاً بترهيب الوطنيين من أهلها، وجرف الضعفاء منهم بالمال والخوف والنفاق إلى شرك العداء للدولة. مثلها مثل غالبية قرى القلمون الغربي، التي يعود أهلها المهجرون إليها. الدولة التي يرأسها الأسد ليست "نظاماً علوياً" ولا "نصيرياً". لو كانت كذلك، لسقطت باكراً. "النظام السوري" هو أدقّ توصيف للدولة السورية، وهو صورة عن المجتمع حتى عن توزيعه الديموغرافي. الحرب خيضت بكتلة واحدة: الدولة والمجتمع والجيش. كثيرون لا يفهمون طبيعة الجيش السوري. دوره طوال حكم الأسد الأب، كان مدنياً أكثر منه عسكرياً. بناء لحمة وطنية وانعكاس فعلي للمجتمع. أثمر الزرع.

القيادة السورية طوال الأزمة لم تكن أكثر اطمئناناً من الآن. ولهذه الراحة النفسية توصيفها، حتى لا تتحوّل إلى عنجهية توقع أصحابها في وهم القوّة. تدرك القيادة محورية سوريا، وأن الحرب عليها لم تتوقّف منذ فجر التاريخ، ولن تتوقّف.

يقول أحد القادة الأمنيين، إن سوريا تمتهن لعبة الوقت، ومنذ الرئيس الراحل حافظ الأسد احترفت إرهاق خصومها. ومثل صبيّة نذرها أهلها، لا تُهزم، فتأتي التسويات على حساب أعدائها. وهذه سياسة. سوريا لم تسقط، والآخرون يتخبّطون في أزماتهم الداخلية؛ القطريون والسعوديون والأتراك والأوروبيون. الأميركيون يبيعون ويشترون، و"إسرائيل" لا تعجبها النتيجة. المنتصرون في الميدان يبتعدون عن الغرور، حتى لا يضيع النصر في السياسة.

أدونيس

قبل أكثر من عقد، سرق بعضهم مصطلح "ربيع دمشق". كان تآمراً معلوماً باسم الربيع. وبعد سنوات، أَكَلَنا الربيع المسروق موتاً وتعصّباً. الآن دمشق تعيش ربيعها. أرضٌ غُمّست بدم أبنائها حتى الباطن، ثمّ قامت كـ"زهرة لوزٍ" في قصيدة نزار، أو كشقيقة نعمان سقاها دم أدونيس الذي قتله الخنزير، فولدت الفصول. ربيع دمشق، خريف أعدائها.

* فراس الشوفي – الأخبار

108

0% ...

آخرالاخبار

الانتخابات المقبلة في الكيان.. نتنياهو أمام أزمات متراكمة وتصدعات داخل اليمين


رئيس مكتب العلاقات الوطنية في حماس حسام بدران: حماس ستشارك في انتخابات المجلس التشريعي ضمن أوسع ائتلاف وطني ممكن


غريب آبادي: أي اعتداء على أمن بحر قزوين يهدد استقرار المنطقة بأسرها


جلسة طارئة لمجلس الأمن الدولي حول الأوضاع في الضفة الغربية


العميد نقدي: يجب أن نصل إلى مستوى من الردع بحيث لا يجرؤ العدو على مهاجمتنا


العميد نقدي: لدى الولايات المتحدة آلاف المصالح الاقتصادية في جميع أنحاء العالم ويمكن تدميرها جميعًا بسهولة


المستشار الأعلى لقائد حرس الثورة اللواء محمد نقدي: حتى لو استمرت هذه الحرب لسنوات سنظل نطلق الصواريخ حتى اليوم الأخير


حماس تحذر من إغلاق المسجد الإبراهيمي وتدعو لحماية المقدسات


الاحتلال الإسرائيلي ينفذ سلسلة تفجيرات في قرى بجنوب لبنان


الرئيس الروسي يتهم حلف الناتو بالتغلغل في منطقة المحيط الهادئ


الأكثر مشاهدة

عراقجي في اتصال هاتفي مع نظيره الألماني: تأمين مضيق هرمز يتطلب وقف الأعمال العدوانية الأمريكية لاسيما الحصار


عراقجي: على العالم محاسبة واشنطن على التداعيات الأمنية والاقتصادية الناجمة عن إغلاق مضيق هرمز


طيران الاحتلال يشن غارة على أطراف بلدة المنصوري جنوبي لبنان


بقائي: أمیركا استبدلت السياسة والعقلانية بإدمان مرضي للعقوبات


مصادر يمنية: مرتزقة العدوان السعودي يقصفون بالمدفعية قرى مأهولة بالسكان في عزلتي حذران والربيعي بمديرية التعزية


الهلال الأحمر الفلسطيني: إصابة فلسطيني (60 عامًا) جراء اعتداء مستوطنين عليه بالضرب في بلدة بورين جنوب نابلس


وكالة "بلومبرغ": النفط يقفز مع ترقّب الأسواق مزيدًا من الوضوح بشأن التطورات في الشرق الأوسط في ظل استمرار إغلاق الحرس الثوري لمضيق هرمز


مصادر فلسطينية: قوات الاحتلال الإسرائيلي تقتحم بلدة عنزا جنوب جنين و مدينة قلقيلية من المدخل الشرقي


صحيفة "وول ستريت جورنال" الأميركية: الهجمات الإيرانية تسببت منذ بدء عملية العسكرية ضد ايران بخسائر لواشنطن تُقدّر بنحو 13 مليار دولار


"وول ستريت جورنال": الهجمات الإيرانية تسببت في تضرر 20 منشأة في 8 دول فيما تضررت أو دُمّرت 42 طائرة أميركية


إعلام أوكراني: هجوم صاروخي روسي يستهدف العاصمة الأوكرانية كييف